الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٩ - الأكثرية ليست دليلا على الطهارة
و في الختام يخاطب العلماء و أصحاب العقول و الأذكياء فيقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
أمّا أنّ مدلول الآية من قبيل توضيح الواضحات، فذلك لأن ثمّة من يظن أنّ أمورا عارضة، مثل كثرة إتباع الخبيث، أو ما يسمى ب «الأكثرية» تجعل ذلك الخبيث في مصاف الطيب، كما يحدث أحيانا أن نرى بعضهم يقع تحت تأثير الجماعة و اتجاه أهواء الأكثرية، ظانا أنّه حيثما مالت الأكثرية كان ذلك دليلا قاطعا على صحة ما مالت إليه، بينما الأمر ليس كذلك، و القضايا التي أيدتها الأكثرية و ظهر بطلانها كثيرة جدا.
في الواقع إنّ ما يميز الخبيث من الطيب هو الأكثرية الكيفية لا الكمية، أي أنّ المطلوب هو أفكار أقوى و أرفع و أسمى و أنقى لا كثرة المؤيدين.
هذه القضية لا تلاءم أذواق بعض الناس في العصر الحاضر، بعد أنّ تشبعت أذهانهم على أثر التلقين و وسائل الأعلام بأن الأكثرية هي معيار معرفة الخبيث من الطيب، إلى حدّ الإيمان بأن «الحقّ» هو ما أرادته الأكثرية، و «الطيب» هو ما مالت إليه الأكثرية، و ليس كذلك. إن معظم مشاكل العالم ناتجة عن هذا اللون من التفكير.
نعم، إذا تمتعت الأكثرية بقيادة صادقة و تعليمات صحيحة، بحيث تؤلف أكثرية ناضجة بما للكلمة من معنى، فيمكن حينئذ اعتبار هذه الأكثرية و اتجاهاتها مقياس تمييز الخبيث عن الطيب، لا الأكثرية الفجة غير الناضجة.
على كل حال، يشير القرآن إلى هذا الأمر في هذه الآية، و يحذر الناس من الانجراف مع أكثرية الخبثاء، و في مواضع أخرى تكاد تبلغ العشرة يقول تعالى:
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أمّا تقديم «الخبيث» على «الطيب» في الآية، فذلك لأنّ الكلام موجه إلى الذين يحسبون كثرة الخبيث دليلا على صحة ما يذهبون إليه، فلا بدّ من الردّ على هؤلاء، و تعريفهم بأن معيار الخباثة و الطيبة لم