الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٩ - مراحل تحريم الخمر و حكمها النهائي
هذه الآفة من جذورها، و هي العادة التي كانت قد تأصلت في نفوسهم، و عروقهم، ففي أوّل الأمر وردت إشارات في الآيات المكية تستقبح شرب الخمر، كما في الآية (٦٧) من سورة النحل: وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً.
فهنا «سكر» و تعني الشراب المسكر الذي كانوا يستخرجونه من التمر و العنب، قد وضع في قبال الرزق الحسن، فاعتبره شرابا غير طيب بخلاف الرزق الحسن، إلّا أنّ تلك العادة الخبيثة- عادة معاقرة الخمرة- كانت أعمق من أن تستأصل بهذه الإشارات، ثمّ أنّ الخمر كانت تؤلف جانبا من دخلهم الاقتصادي لذلك، عند ما هاجر المسلمون إلى المدينة و أسسوا أولى الحكومات الإسلامية، نزلت آية ثانية أشد في تحريم الخمر من الاولى، لكي تهيئ الأذهان أكثر إلى التحريم النهائي، تلك هي الآية (٢١٩) من سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما.
فها هنا إشارة إلى منافع الخمر الاقتصادية لبعض المجتمعات، كالمجتمع الجاهلي، مصحوبة بإشارة إلى أخطارها الكبيرة و مضارها التي تفوق كثيرا منافعها الاقتصادية.
ثمّ في الآية (٤٣) من سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ يأمر اللّه المسلمين أمرا صريحا بأن لا يقيموا الصّلاة و هم سكارى حتى أدركوا ما يقولونه أمام اللّه.
واضح أنّ هذا لم يكن يعني أنّ شرب الخمر في غير الصّلاة جايز، بل هي مسألة التدرج في تحريم الخمر مرحلة مرحلة، أي أنّ هذه الآية كأنّها تلتزم الصمت و لا تقول شيئا صراحة في غير مواقع الصّلاة.
إنّ تقدم المسلمين في التعرف على أحكام الإسلام و استعدادهم الفكري لاستئصال هذه المفسدة الاجتماعية الكبيرة التي كانت متعمقة في نفوسهم، أصبحا