الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - حادثة الغدير بايجاز
يتفرقوا إلى حال سبيلهم.
كان يوم الخميس من السنة العاشرة للهجرة، و قد مضت ثمانية أيّام على عيد الأضحى، و إذا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصدّر أمره للحجيج بالتوقف، فراح المسلمون يتنادون الذين في مقدمة الركب أن يعودوا، و انتظروا حتى يلتحق بهم من كان في المؤخرة أيضا. كان الشمس قد تخطت نقطة الزوال، و صعد مؤذن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ينادي في الناس لصلاة الظهر، و أخذ الناس يستعدون- مسرعين- لأداء الصّلاة.
كانت الرياح لافحة محرقة، حتى اضطر بعضهم إلى أن يضع قسما من عباءته تحت قدميه و قسما منها فوق رأسه كي يتقي حرارة الحصى و أشعة الشمس.
ما كان في تلك الصحراء ما يستظل به، و لا ما تستريح إليه العين من خضرة الأعشاب، اللّهم إلّا بضع شجيرات عجاف عارية تصارع حرارة الجو صراعا مريرا.
كان جمع قد لجأ إلى هذه الشجيرات و نشر رداءه عليها ليستظل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّ الرياح الساخنة كانت تعصف بتلك المظلة فتنشر تحتها حرارة الشمس الحارقة.
انتهت صلاة الظهر. و هرع الحجيج يريدون نصب خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم يلوذون بها من حر الهاجرة. إلّا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبرهم أنّ عليهم أن يستعدوا لسماع رسالة إلهية، جديدة في خطبته، و كان الذين يقفون على مسافة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يستطيعون رؤيته، لذلك
صنعوا له منبرا من أحداج الإبل ارتقاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:
«الحمد للّه و نستعينه و نؤمن به، و نتول عليه، و نعوذ به من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلّ، و لا مضلّ لمن هدى، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله.
أمّا بعد: أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمر نبيّ إلّا مثل نصف عمر