الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٨ - حادثة الغدير بايجاز
بعينها، فإنّ الرّوايات التي عبّرت عنها متنوعة، فبعض هذه الرّوايات مسهب مطوّل، و بعضها الآخر موجز مكثف، و بعضها يتناول جانبا معينا من الحادثة، و من مجموع تلك الرّوايات و من التّأريخ الإسلامي و من ملاحظة القرائن و الظروف المحيطة بوقوعها و بمكانها يتبيّن ما يلي:
أنّه في السنة الأخيرة من حياة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أدّى المسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حجّة الوداع في عظمة و جلال، و كان لهذه الحجة أثر كبير في النفوس، و بعد انتهائها أحاطت بالقلوب هالة من السموّ الروحي، و تشرّبت في الأعماق لذّة هذه العبادة الكبرى.
و كانت الجموع الغفيرة [١] من المسلمين المشاركين في تلك الحجّة يكادون يطيرون فرحا لهذه السعادة الكبرى التي شرفهم اللّه بها.
لم يكن أهل المدينة وحدهم قد رافقوا النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في هذه الحجة، بل التحق بركبه مسلمون توافدوا من سائر أنحاء الجزيرة العربية لينالوا شرف الصحبة في هذه الحجّة.
كانت الشمس ترسل أشعتها اللافحة المحرقة على الوديان و السهول لكن لذّة هذا السفر الروحي يسّرت كل شيء. اقترب وقت الظهيرة، و اقترب الركب الكبير من أرض الجحفة، و ظهرت من بعيد أرض «غدير خم» القاحلة الجافة المحرقة.
كانت المنطقة، في الحقيقة تقع على مفترق طرق أربع حيث كان على الحجيج أن يتفرقوا إلى الوجهة التي يقصدونها فطريق يتجه إلى المدينة نحو الشمال، و آخر يوصل إلى العراق شرقا، و طريق الغرب يتجه إلى مصر، و طريق الجنوب يصل إلى اليمن. هاهنا كان لا بدّ أن يتحقق أهم فصل من فصول هذه الرحلة و آخر ذكرياتها. و كان على المسلمين أن يتلقوا آخر تكليف لهم، أو المرحلة النهائية من المهمات الناجحة التي اضطلع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قبل أن
[١]- قيل أنّ عددهم ٩٠ ألفا، و قيل ١٢٠ ألفا، و قيل ١٢٤ ألفا.