الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦ - التّفسير
و الصدق فيما بينهم، لما عانوا طيلة تاريخ حياتهم من ذلك التشرد و الضياع و التشتت و التعاسة.
و قد شرحنا قضية العداوة و البغضاء الدائمة بين أهل الكتاب بشيء من التفصيل عند تفسير الآية (١٤) من نفس هذه السورة.
و تشير الآية- في الختام- إلى المساعي و الجهود التي كان يبذلها اليهود لتأجيج نيران الحروب، و عناية اللّه و لطفه بالمسلمين في انقاذهم من تلك النيران المدمرة الماحقة، فتقول كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ....
و تعتبر هذه الظاهرة إحدى معاجز حياة النّبي الأكرم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لأنّ اليهود كانوا الأقوى بين أهل الحجاز و الأعرف بمسائل الحرب، بالإضافة إلى ما كانوا يمتلكون من قلاع حصينة و خنادق منيعة، ناهيك عن قدرتهم المالية الكبيرة التي كانت لهم عونا في كل صراع بحيث أن قريشا كانوا يستمدون العون منهم، و كان الأوس، و الخزرج يسعى كل منهما إلى التحالف معهم و كسب صداقتهم و نيل العون منهم في المجال العسكري، لكنّهم فقدوا فجأة قدرتهم المتفوقة- هذه- و طويت صفحة جبروتهم دفعة واحدة، بشكل لم يكن متوقعا لديهم، فاضطر يهود بني النضير و بني قريظة و بني القينقاع إلى ترك ديارهم، كما استسلم نزلاء قلاع خيبر الحصينة و سكان فدك من اليهود خاضعين للمسلمين، و حتى أولئك الذين كانوا يقطنون في فيافي الحجاز منهم اضطروا إلى الخضوع أمام عظمة الإسلام، فهم بالإضافة إلى عجزهم عن نصرة المشركين اضطروا إلى ترك ميدان النزال و الصراع.
ثمّ تبيّن الآية- أيضا- أنّ هؤلاء لا يكفون عن نثر بذور الفتنة و الفساد في الأرض فتقول: وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ... و تؤكّد أيضا قائلة: وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
و يستدلّ من هذا على أن أسلوب المواجهة القرآني لليهود لم يكن يتركز على