الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - التّفسير
عزلت حساب الأقلية الصالحة بدقة عن الأكثرية الآثمة باستخدام كلمة (أكثركم) في العبارة الأخيرة منها.
الآية الثّانية تقارن المعتقدات المحرفة و أعمال أهل الكتاب و العقوبات التي تشملهم بوضع المؤمنين الأبرار من المسلمين لكي يتبيّن أي الفريقين يستحق النقد و التقريع، و هذا بذاته جواب منطقي للفت انتباه المعاندين و المتطرفين في عصبيتهم.
و في هذه المقارنة تطلب الآية من النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يسأل هؤلاء: هل أنّ الإيمان باللّه الواحد و بكتبه التي أنزلها على أنبيائه أجدر بالنقد و الاعتراض، أم الأعمال الخاطئة التي تصدر من أناس شملهم عقاب اللّه؟
فتخاطب الآية النّبي بأن يسأل هؤلاء: إن كانوا يريدون التعرف على أناس لهم عند اللّه أشد العقاب جزاء ما اقترفوه من أعمال، حيث تقول: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... [١].
و لا شك أنّ الإيمان باللّه و كتبه ليس بالأمر غير المحمود، و أن المقارنة الجارية في هذه الآية بين الإيمان و بين أعمال و أفكار أهل الكتاب، هي من باب الكناية، كما ينتقد انسان فاسد إنسانا تقيا فيسأل الإنسان التقي ردا على هذا الفاسد: أيّهما أسوأ الأتقياء أم الفاسدون.
بعد هذا تبادر الآية إلى شرح الموضوع، فتبيّن أنّ أولئك الذين شملتهم لعنة اللّه فمسخهم قرودا و خنازير، و الذين يعبدون الطاغوت و الأصنام، إنّما يعيشون في هذه الدنيا و في الآخرة وضعا أسوأ من هذا الوضع، لأنّهم ابتعدوا كثيرا عن طريق الحقّ و عن جادة الصواب، تقول الآية الكريمة:
[١]- إن كلمة (مثوبة) و كذلك كلمة (ثواب) تعنيان- في الأصل- الرجوع أو العودة إلى الحالة الأولى، كما تطلقان- أيضا- لتعنيا المصير و الجزاء (الأجر أو العقاب) لكنهما في الغالب تستخدمان في مجال الجزاء الحسن، و أحيانا تستخدم كلمة (الثواب) بمعنى العقاب و في الآية جاءت بمعنى المصير أو العقاب.