الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠٤
غير قابلة للتفسير حسب الظاهر، كما ليس فيها ما يخالف الموازين العقلية (ليكون قرينة على حملها على المعنى الكنائي) لهذا ليس هناك أي دليل على أن نعرض عن ظاهر الآيات، و لا نحملها على معناها الحقيقي.
و لكن مع ذلك يمكن أن تحمل هذه الحادثة الواقعية الحسية إشارات إلى حياة النوع البشري في مستقبل هذه العالم.
يعني أنّ الإنسان المركب من قوّة «العقل» و من «الغرائز الجامحة» و التي تجرّه كل واحدة منهما إلى جهة و ناحية يواجه في خضم هذه الحياة الصاخبة دعاة كذّابين أصحاب سوابق سيئة مثل الشيطان، يحاولون بوساوسهم المتواصلة إلقاء الستار و الحجاب على عقله بغية عزله عنه، و بغية خداعه و إضلاله و تركه حائرا في متاهات الحياة يبحث عن سراب.
إنّ أوّل نتيجة للاستسلام أمام الوساوس هو انهيار حاجز التقوى، و سقوط لباسه، و انكشاف مساوئه و سوءاته.
و الأخرى هي الابتعاد عن مقام القرب إلى اللّه، و سقوط الإنسان عن مقام الإنسانية الكريم، و الإخراج من جنة الأمن و الطمأنينة، و الوقوع في دوامة الحياة المادية المضنية.
و في هذه الحالة يمكن لقوّة العقل- أيضا- أن تساعد الإنسان و تعينه على النهوض من كبوته، فيفكر فورا في تلافي ما فاته، و جبران ما بدر منه، فيبعثه العقل و التفكير إلى أن يعود إلى اللّه كي يعترف بكل شجاعة و صراحة بذنوبه، اعترافا بناء واعيا مفيدا يعدّ منعطفا في حياته.
و في هذا الوقت تمتد إليه يد الرحمة الإلهية مرّة أخرى، و تنقذه و تخلصه من السقوط الأبديّ، و إن كان لا يستطيع مع ذلك التخلص من آثار معصيته الوضعية و نتائجها الطبيعية مهما كانت قليلة و محدودة. و لكن هذه الحادثة ستكون له درسا و عبرة، و سيمكنه ذلك من أن يتخذ من هذه الهزيمة قاعدة صلبة لانتصاره في مستقبل الحياة، و يستفيد من هذا الضرر نفعا كبيرا في المراحل القادمة من حياته.