الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠٠ - ٣- هل ارتكب آدم معصية؟
مهمّا و خطيرا استتبع عقوبة شديدة من جانب اللّه تعالى [١].
إنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة لم يكن نهيا تحريميا، بل كان ترك أولى، و لكن نظرا إلى مكانة آدم و مقامه و مرتبته عدّ صدوره أمرا مهما و خطيرا، و استوجب مخالفة هذا النهي (و إن كان نهيا كراهيا و تنزيهيا) تلك العقوبة و المؤاخذة من جانب اللّه تعالى.
هذا و قد احتمل بعض المفسّرين- أيضا- أنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة كان «نهيا إرشاديا» لا نهيا مولويا، و توضيح ذلك: أنه قد ينهى اللّه تعالى عن شيء من منطلق كونه مالك الإنسان و صاحب أمره و مولاه، و طاعة هذا النوع من النهي واجبة على كل أحد من الناس، و هذا النوع من النهي يسمى نهيا مولويا.
و لكنّه قد ينهي عن شيء لمجرّد أن ينبه الإنسان على أن ارتكاب هذا النهي ينطوي على أثر غير محمود تماما، مثل نهي الطبيب عن الأطعمة المضّرة، و لا شك في أنّ المريض لو خالف الطبيب لا يكون قد أهان الطبيب، و لا أنّه خالف شخصه، بل يكون بتجاهله نهي الطبيب قد تجاهل إرشاده، و جرّ إلى نفسه التعب و النصب.
و في قصة آدم أيضا قال اللّه تعالى له: إنّ نتيجة الأكل من الشجرة الممنوعة هي الخروج من الجنّة، و الوقوع في التعب و النصب، و كان هذا مجرّد إرشاد و ليس أمرا، و بهذا فإنّ آدم خالف نهيا إرشاديا فقط، لا أنّه أتى عصيانا و ذنبا واقعيا.
و لكن التّفسير الأوّل أصحّ، لأنّ النهي الإرشاديّ لا يحتاج إلى مغفرة، في حين أنّ آدم- ما سنقرأ في الآية اللاحقة- يطلب من اللّه تعالى الغفران، هذا مضافا إلى أنّ فترة الجنّة كانت تعدّ فترة تدريبية و تعليمية بالنسبة لآدم ...، فترة الوقوف على التكاليف و الأوامر و النواهي الإلهية ... فترة معرفة الصّديق و العدو ... فترة
[١]- نور الثقلين، المجلد الثاني ص ٤١١، نقلا عن كتاب علل الشرائع.