الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٩ - ٣- هل ارتكب آدم معصية؟
نسبية»، كما لو ساعد مؤمن واسع الثراء فقيرا لإنقاذه من مخالب الفقر بمبلغ تافه، فإنّه ليس من شك في أنّ هذه المعونة المالية مهما كانت صغيرة و حقيرة لا تكون فعلا حراما، بل هي أمر مستحب، و لكن كل من يسمع بها يذم ذلك الغني حتى كأنّه ارتكب معصية و اقترف ذنبا، و ذلك لأنّه يتوقّع من مثل هذا الغني المؤمن أن يقوم بمساعدة أكبر.
و انطلاقا من هذه القاعدة و على هذا الأساس تقاس الأعمال التي تصدر من الشخصيات الكبيرة بمكانتهم و شأنهم الممتاز، و ربّما يطلق على ذلك العمل- مع مقايسته بذلك- لفظ «العصيان» و «الذنب».
فالصّلاة التي يقوم بها فرد عادي قد تعتبر صلاة ممتازة، و لكنّها تعدّ معصية إذا صدر مثلها من أولياء اللّه، لأن لحظة واحدة من الغفلة في حال العبادة لا تناسب مقامهم و لا تليق بشأنهم. بل نظرا لعلمهم و تقواهم و منزلتهم القريبة يجب أن يكونوا حال عبادة اللّه تعالى مستغرقين في صفات اللّه الجمالية و الجلالية، و غارقين في التوجه إلى عظمته و حضرته.
و هكذا الحال في سائر أعمالهم، فإنّها على غرار عباداتهم، يجب أن تقاس بمنازلهم و شؤونهم، و لهذا إذا صدر منهم «ترك الأولى» عوتبوا من جانب اللّه، و المراد من ترك الأولى، هو أن يترك الإنسان فعل ما هو الأفضل، و يعمد إلى عمل جيد أو مستحبّ أدنى منه في الفضل.
فإنّنا نقرأ في الأحاديث الإسلامية أن ما أصيب به يعقوب من محنة فراق ولده يوسف، كان لأجل غفلته عن إطعام فقير صائم وقف على باب بيته عند غروب الشمس يطلب طعاما، فغفل يعقوب عن إطعامه، فعاد ذلك الفقير جائعا منكسرا خائبا.
فلو أنّ هذا الصنيع صدر من إنسان عادي من عامّة الناس لما حظي بمثل هذه الأهمية و الخطورة، و لكن يعدّ صدوره من نبيّ إلهيّ كبير، و من قائد أمّة أمرا