الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٦ - إتمام الحجة
الجماعة الكاملة التي تضم مختلف الطوائف و الأصناف، أمّا بشأن الرسل الذين بعثوا إلى الجن هل كانوا منهم، أم من البشر؟ فهناك كلام بين المفسّرين، و لكن الذي يستفاد من آيات سورة الجن يدل بجلاء على أنّ الإسلام و القرآن للجميع بما فيهم الجن، و أنّ نبي الإسلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الجميع، و لكن هذا لا يمنع أن يكون لهم رسل و ممثلون من جنسهم عهد إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بدعوتهم إلى الإسلام (سيأتي شرح ذلك بالتفصيل، و كذلك المعنى العلمي للجن في تفسير سورة الجن في الجزء ٢٩ من القرآن الكريم).
و لكن ينبغي أن نعلم أنّ «منكم» لا تعني أن أنبياء كل جنس يكونون من الجنس نفسه، لأنّنا عند ما نقول: «نفر منكم ...» يمكن أن يكون هؤلاء من طائفة واحدة أو من عدّة طوائف.
ثمّ تقول الآية: قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا لأنّ يوم القيامة ليس يوم الكتمان، بل إنّ دلائل كل شيء تكون بادية للعيان، و ما من أحد يستطيع أن يخفي شيئا، فالجميع يعترفون أمام هذا السؤال الإلهي قائلين: إنّنا نشهد ضد أنفسنا و نعترف أنّ الرسل قد جاؤونا و أبلغونا رسالاتك و لكنّنا خالفناها.
نعم ... لقد كانت أمامهم آيات و دلائل كثيرة من اللّه، و كان يميزون الخطأ من الصواب، إلّا أنّ الحياة الدنيا ببريقها و مظاهرها قد خدعتهم و أضلتهم: وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.
هذه الآية تدل بوضوح على أنّ العقبة الكبرى في طريق سعادة البشر هي الحبّ اللامحدود لعالم المادة و الخضوع له بلا قيد و لا شرط، ذلك الحبّ الذي كبل الإنسان بقيود الأسر و دفعه إلى ارتكاب كل ألوان الظلم و العدوان و الإجحاف و الأنانية و الطغيان.
مرّة أخرى يؤكّد القرآن أنّهم شهدوا على أنفسهم بألسنتهم بأنّهم قد ساروا في طريق الكفر و وقفوا إلى جانب منكري اللّه: وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا