الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٠ - لا أهمية للكثرة العددية
فيكون مفهوم الآية الشريفة أنّ الأكثرية لا يمكن أنّ تكون وحدها الدليل على طريق الحق، و من هذا نستنتج أنّه يجب التوجه إلى اللّه وحده لمعرفة طريق الحق، حتى لو كان السائرون في هذا الطريق قلّة في العدد.
و الدليل على ذلك يرد في الآية التّالية التي تؤكّد على أنّ اللّه عليم بكل شيء و لا مكان للخطأ في علمه، فهو أعرف بطريق الهداية، كما هو أعرف بالضالين و بالسائرين على طريق الهداية: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [١].
هنا يبرز سؤال: يفهم من الآية أنّ اللّه سبحانه أعلم بطريق الهداية، فهل هناك من يعلم طريق الهداية بدون هدى اللّه حتى كون اللّه هو الأعلم؟! و الجواب: إنّ الإنسان قادر- بلا شك- أن يتوصل بعقله إلى بعض الحقائق، و يدرك طريق الهداية و الضلالة إلى حد ما، غير أنّ مديّات ضوء العقل لها حدود، و قد يظل بعض الحقائق خارج نطاق تلك الحدود، ثمّ إنّ معلومات الإنسان قد يعتورها الخطأ، فيكون لذلك بحاجة إلى مرشدين و هداة إلهيين، لذلك فتعبير «اللّه أعلم» صحيح، و إن يكن قياسا مع الفارق.
لا أهمية للكثرة العددية:
على العكس ممّا يظنّه بعضهم بأنّ الكثرة العددية توافق الصواب دائما فإنّ القرآن ينفي هذا في كثير من آياته، و لا يقيم للكثرة «العددية» أي وزن، بل يرى- في الحقيقة- إنّ الكثرة «الكيفية» هي المقياس، لا الكثرة «الكمية» على الرغم من أنّ المجتمعات المعاصرة لم تجد لإدارة الحياة الاجتماعية طريقا سوى
ذلك، ثمّ أطلق على كل ظن و تخمين قد يطابق الواقع و قد لا يطابقه، و الكلمة تستعمل في الكذب أيضا، و قد تكون في الآية بكلا المعنيين.
[١]- صيغة التفضيل تتعدى عادة بالباء، فكان المفروض أن يقال «أعلم بمن يضل» و لكن الباء حذفت هنا و «من يضل» منصوبة بنزع الخافض.