الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢ - فالق الإصباح
لم تستطيع العلوم البشرية الوصول إلى كنه حقيقتها و رفع الستار عن أسرارها لتخطو إلى أعماق مجهولاتها، و لتعرف كيف يمكن لعناصر الطبيعة و موادها الجامدة أن تطفر طفرة عظيمة فتتحول إلى كائنات حية.
قد يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان أن يصنع كائنا حيا باستخدام التركيبات الطبيعية المختلفة و تحت ظروف معقدة خاصّة، و بطريقة تركيب أجزاء مصنعة، كما يفعلون بالمكائن و الأجهزة، غير أن قدرة البشر «المحتملة» في المستقبل لا تستطيع أن تقلل من أهمية مسألة الحياة و تعقيداتها التي تبدأ من المبدع القادر.
لذلك نجد القرآن- و في معرض إثبات وجود اللّه- كثيرا ما يكرر هذا الموضوع، كما يستدل أنبياء عظام كإبراهيم و موسى- على وجود مبدأ قادر حكيم بمسألة الحياة و الموت لإقناع جبابرة طغاة مثل نمرود و فرعون.
يقول إبراهيم لنمرود: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ [١]، و يقول موسى لفرعون:
وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [٢].
ينبغي ألّا ننسى أنّ ظهور الحي من الميت لا يختص في بداية ظهور الحياة على الأرض فقط، بل يحدث هذا في كل وقت بانجذاب الماء و المواد الأخرى إلى خلايا الكائنات الحية، فتكتسي كائنات غير حية بلباس الحياة، و عليه فإنّ القانون الطبيعي السائد اليوم و القائل بأنّه لا يمكن في الظروف الحالية التي تسود الأرض لأي كائن غير حي أن يتحول إلى كائن حي، و حيثما وجد كائن حي فثمّة بذرة حية وجد منها هو قانون لا يتعارض مع ما قلناه، (فتأمل بدقّة)! و يستفاد من روايات أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في تفسير هذه الآية و الآيات المشابهة لها، أنّ ذلك يشمل الحياة و الموت الماديين كما يشمل الحياة و الموت
[١]- البقرة، ٢٥٨.
[٢]- طه، ٥٣.