الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٥ - التّفسير
(الإنجيل) و العهد القديم (التّوراة و الكتب الملحقة بها) نجد أنّ كل هذه الكتب تفتقر إلى المسحة السماوية، أي أنّها ليست خطابا موجها من اللّه إلى البشر، بل إنّها مقولات وردت على ألسنة تلامذة موسى و المسيح عليهما السّلام و أتباعهما على شكل سرد لحوادث تاريخية و سير، و الظاهر أنّ اليهود و المسيحيين اليوم لا ينكرون ذلك، إذ أنّ حكاية موت موسى و عيسى و حوادث كثيرة أخرى وقعت بعدهما وردت في هذه الكتب، لا باعتبارها تنبؤات عن المستقبل، بل سردا لحوادث ماضية، فهل يمكن لكتب مثل هذه أن تكون قد نزلت على موسى و عيسى؟! كل ما في الأمر أنّ المسيحيين و اليهود يعتقدون أنّ هذه الكتب قد كتبت بأيدي أناس عندهم أخبار عن الوحي، فاعتبروها كتبا مقدسة خالية من الخطأ و يمكن الاعتماد عليها.
بناء على هذا يتضح لنا لماذا كان هؤلاء ينتابهم العجب لدى سماعهم أسلوب القرآن بشكل خطاب من اللّه إلى النّبي و إلى عباد اللّه؟ و كما قرأنا في سبب نزول هذه الآية فإنّهم قد انتابهم العجب فسألوا الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن كان اللّه قد أنزل عليه- حقا- كتاب، ثمّ أنكروا هذا الأمر كليا و نفوا أن يكون أي كتاب قد نزل على أحد، حتى على موسى.
غير أنّ اللّه يردّ عليهم قائلا: إنّكم- أنفسكم- تعتقدون أن ألواحا و مواضيع قد نزلت على موسى، أي إنّ الكتاب الذي بين أيديكم و ان لم يكن كتابا سماويا إلّا أنّكم تؤمنون- على الأقل- بأنّ شيئا مثل هذا قد نزل من قبل اللّه، و أنتم تظهرون قسما منه و تخفون كثيرا منه: و على ذلك فلا يبقى مجال للشك في إمكان إنكار اليهود نزول كتاب سماوي.
أمّا إذا كانت الآية كسائر آيات هذه السّورة تخصّ المشركين، فيكون المعنى أنّهم أنكروا نزول أي كتاب سماوي لانكار و نفي دعوة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لكن اللّه يبيّن