الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - ما معنى «الظلم» هنا؟
إبراهيم مع عبدة الأصنام [١].
بعض المفسّرين يرى أن من المحتمل أن تكون هذه الآية بيانا إلهيا، و ليست مقولة قالها إبراهيم، إلّا أن ما ذكرناه- فضلا عن تأييد الرواية المذكورة له- أكثر انسجاما مع ترتيب الآيات و وضعها، أمّا القول بأنّ هذه الآية لسان حال عبدة الأصنام، و إنّهم قالوها بعد تيقظهم على أثر سماع أدلة إبراهيم، فأمر بعيد الاحتمال جدّا.
ما معنى «الظلم» هنا؟
يرى معظم المفسّرين أنّ معنى «الظلم» هنا هو «الشرك». و أنّ الآية (١٢) من سورة لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ دليل على ذلك.
و
في رواية منقولة عن ابن عباس أنّه عند نزول هذه الآية شقّ على الناس فقالوا: يا رسول اللّه و أينا لم يظلم نفسه؟ (أي أنّ الآية تشملهم جميعا)، فقال:
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح:
... يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٢].
غير أنّ لآيات القرآن معاني متعددة في كثير من الحالات بحيث يمكن أن يكون أحدها أوسع و أشمل، و هذا الاحتمال جائز في هذه الآية أيضا، فيحتمل أن يكون «الأمن» عاما يشمل الأمن من عقاب اللّه، و الأمن من حوادث المجتمع المؤلمة، و الأمن من الحروب و المفاسد، و الجرائم و حتى الأمن النفسي لا يتحقق إلّا عند ما يسود المجتمع مبدءان معا: الإيمان و العدالة الاجتماعية، فإذا ما تزلزلت قاعدة الإيمان باللّه، و زال الشعور بالمسؤولية أمام اللّه، و حل الظلم محل العدالة الاجتماعية، فلن يكون في مثل هذا المجتمع أمان. لذلك فعلى الرغم من
[١]- تفسير مجمع البيان في تفسير الآية.
[٢]- المصدر السابق.