الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - التّفسير
طريق التوحيد قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ.
يتّضح في هذه الآية بجلاء أنّ قوم إبراهيم المشركين من عبدة الأصنام كانوا يحاولون جهدهم و بأي ثمن أن يبعدوا إبراهيم عن عقيدته و يرجعوه إلى عبادة الأصنام، و لكنّه بكل شجاعة و جرأة ردّ عليهم بالدلائل المنطقية الواضحة.
لا تشير هذه الآيات إلى المنطق الذي توسل به قوم إبراهيم لحمله على ترك عقيدته، و لكن يبدو من جواب إبراهيم أنّهم قد حذروه و هددوه بغضب آلهتهم و عقابها في محاولة لإرعابه و إخافته، لأنّنا على أثر ذلك نسمع إبراهيم يستهين بتهديدهم و يؤكّد لهم أنّه لا يخشى أصنامهم التي لا حول لها و لا قوّة في إيصال أي أذى إليه وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ .. فما من أحد و لا من شيء بقادر على أن يلحق بي ضررا إلّا إذا شاء اللّه: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً [١].
يظهر من هذه الآية أنّ إبراهيم عليه السّلام سعى لاتخاذ إجراء وقائي تجاه حوادث محتملة، فيؤكّد أنّه إذا أصابه في هذا الصراع شيء- فرضا- فلن يكون لذلك أي علاقة بالأصنام، بل يعود إلى إرادة اللّه، لأنّ الصنم الذي لا روح فيه و لا قدرة له على أن ينفع نفسه أو يضرها، لا يتأتى له أن ينفع أو يضرّ غيره.
و يضيف إلى ذلك مبينا أنّ ربّه على درجة من سعة العلم بحيث يسع بعلمه كل شيء: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً.
هذه العبارة- في الواقع- دليل على العبارة السابقة التي تقول: إنّ الأصنام لا قدرة لها على النفع و الضرر، لأنّها لا تملك العلم و لا المعرفة اللازمين لمن يريد أن ينفع أو يضرّ، إنّ اللّه الذي أحاط علمه بكل شيء هو وحده القادر على أن يكون منشأ النفع و الضرر، فلم إذن أخشى غضب غير اللّه؟! ثمّ يحرك فيهم روح البحث و التفكير فيخاطبهم قائلا: أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ.
[١]- هذا أشبه بالاستثناء المنقطع، فقد نفى عن الأصنام كلّ قدرة على النفع و الضرر، و أثبتها للّه، و للمفسّرين آراء أخرى في تفسير هذه الآية، غير أن ما قلناه أقرب.