الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - التّفسير
و التفاهم و المحبّة.
ثمّ تقول الآية كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
«كتب» تأتي في كثير من الأحيان كناية عن الإلزام و التعهد، إذ إنّ من نتائج الكتابة توكيد الأمر و ثبوته.
و في الجزء الأخير من الآية- و هو توضيح و تفسير لرحمة اللّه- يتحدث بلهجة عاطفية: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و قد سبق القول [١] أنّ «الجهالة» في مثل هذه المواضع تعني طغيان الشهوة و سيطرتها، و الإنسان بسبب هذه الأهواء المستفحلة، لا بسبب عدائه للّه و للحق- يفقد المقدرة العقيلة و السيطرة على الشهوات، مثل هذا الشخص- و إن كان عالما بالذنب و الحرمة- يسمى جاهلا، لأنّ علمه مستتر وراء حجب الأهواء و الشهوات، و هذا الشخص مسئول عن ذنوبه، و لكنّه يسعى لإصلاح نفسه و جبران أخطائه لأنّ أفعاله لم تكن عن روح عداء و خصام.
تأمر الآية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن لا يطرد أي شخص مؤمن مهما تكن طبقته و ظروفه و عنصره، بل عليه أن ينظر إلى الجميع بعين المساواة، و أن يحتضنهم و يعمل على إصلاحهم حتى و إن كانوا ملوثين بالذنوب.
الآية التّالية و من أجل توكيد هذا الموضوع تشير إلى أنّ اللّه سبحانه يوضح آياته و أوامره توضيحا بيّنا لكي يتبيّن طريق الباحثين عنه و المطيعين له، كما يتبيّن طريق الآثمين المعاندين من أعداء اللّه: وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [٢].
[١]- المجلد الثّالث من هذا التّفسير.
[٢]- جملة «و لتستبين» معطوفة في الواقع على جملة محذوفة تدرك بالقرينة، فيكون المعنى لتستبين سبيل المؤمنين المطيعين و لتستبين سبيل المجرمين.