الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - مكافحة التّفكير الطّبقي
وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [١] و اعتبروا ذلك دليلا على بطلان رسالته.
إنّ واحدا من دلائل عظمة الإسلام و القرآن، و عظمة مدرسة الأنبياء عموما، هو أنّها وقفت ثابتة لا تتزحزح في وجه أمثال هذه الطلبات، و راحت تحطم هذه الامتيازات الموهومة في كل المجتمعات التي تعتبر التمايز الطبقي مسألة ثابتة، لتعلن أنّ الفقر ليس نقصا في أشخاص مثل سلمان و أبي ذر و الخباب و بلال، كما أنّ الثروة ليست امتيازا اجتماعيا، أو معنويا لهؤلاء الأثرياء الفارغين المتحجرين المتكبرين.
ثمّ تقول الآية: إنّه ليس ثمّة ما يدعو إلى إبعاد هؤلاء المؤمنين عنك، لأنّ حسابهم ليس عليك، و لا حسابك عليهم: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، و لكنّك مع ذلك إذا فعلت تكون ظالما: فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
يختلف المفسّرون في توضيح المقصود من «الحساب» هنا.
منهم من يقول: إنّ المقصود هو حساب رزقهم، أي أنّهم و إن كانوا فقراء فإنّهم لا يثقلون عليك بشيء، لأنّ حساب رزقهم على اللّه، كما أنّك أنت أيضا لا تحملهم ثقل معيشتك، إذ ليس من حساب رزقك عليهم من شيء.
ر أنّ هذا الاحتمال يبدو بعيدا، لأن الظاهر أن القصد من الحساب هو حساب الأعمال، كما يقول كثير من المفسّرين، أمّا لماذا يقول اللّه أن حساب أعمالهم ليس عليك، مع أنّهم لم يبدر منهم أي عمل سيء يستوجب هذا القول؟
فالجواب: إنّ المشركين كانوا يتهمون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الفقراء بالابتعاد عن اللّه بسبب فقرهم، زاعمين أنّهم لو كانت أعمالهم مقبولة عند اللّه لزمه الترفية و التوسعة عليهم في معيشتهم، بل كانوا يتهمونهم بأنّهم لم يؤمنوا إلّا لضمان
[١]- هود، ٢٧.