الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠ - التّفسير
التّفسير
تكرر هذه الآية تأكيد الباري عزّ و جلّ على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أن يحكم بين أهل الكتاب طبقا لأحكام اللّه، و أن لا يستسلم لأهوائهم و نزواتهم، فتقول: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ....
و التكرار للأمر هنا إمّا أن يكون بسبب المواضيع التي اشتملت عليها الآية، و إمّا لأنّ موضوع الحكم في هذه الآية يختلف عن موضوع الحكم في الآيات السابقة، حيث كان موضوع الحكم في الآيات السابقة هو الزنا مع المحصنة، و موضوع الحكم في هذه الآية هو القتل أو شيء آخر.
ثمّ تحذر الآية النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من مؤامرة هؤلاء الذين أرادوا عدول النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن شرعة الحقّ و العدل، و طالبته بأن يراقب تحركاتهم، حيث تقول: وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ....
و أكّدت هذه الآية استمرارا لخطابها لنبي الإسلام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ هؤلاء الكتابيين إن لم يذعنوا لحكمه العادل فإنّ ذلك يكون دلالة على أن ذنوبهم و آثامهم قد طوقتهم فحرمتهم من التوفيق، و أنّ اللّه يريد أن يعاقبهم و يعذبهم بسبب بعض ذنوبهم، حيث تقول الآية: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ....
و سبب ذكر «بعض الذنوب» لا كلّها، قد يكون لأنّ عقاب كل الذنوب لا يتم في الحياة الدنيا بل يذوق و بال بعضها، و الباقي منها يوكّل أمرها إلى العالم الثّاني، أي بعد الموت.
و لم تصرّح هذه الآية بنوع الذنوب التي طوقت و أحاطت بهؤلاء، و يحتمل أن تكون إشارة إلى المصير الذي أحاط بيهود المدينة، بسبب الخيانات المتوالية التي مارسوها، ممّا اضطرهم إلى ترك بيوتهم و مغادرة المدينة المنورة، أو أن يكون فشل هؤلاء و حرمانهم من التوفيق نوعا من العقاب لهم على ذنوبهم السابقة، لأنّ