الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - مكافحة التّفكير الطّبقي
مكافحة التّفكير الطّبقي:
في هذه الآية إشارة إلى واحد من احتجاجات المشركين، و هو أنّهم كانوا يريدون من النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقرّ ببعض الامتيازات لطبقة الأغنياء و يفضلهم على طبقة الفقراء، إذ كانوا يرون في جلوسهم مع الفقراء من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منقصة لهم أي منقصة! مع أنّ الإسلام كان قد جاء للقضاء على مثل هذه الامتيازات الزائفة الجوفاء، كانوا يصرون على هذا الطلب في طرد أولئك عنه، غير أنّ القرآن ردّ هذا الطلب مستندا إلى أدلة حية، فيقول: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [١].
و ممّا يلفت النظر أنّ القرآن لم يشر إلى هؤلاء الأشخاص إشارة خاصّة، بل اكتفى بصفتهم البارزة و هي أنّهم يذكرون اللّه صباح مساء، أي دائما، و انّ ذكرهم اللّه هذا ليس فيه رياء، بل هو لذات اللّه وحده، فهم يريدونه وحده و يبحثون عنه، و ليس ثمّة امتياز اسمى من هذا.
يتبيّن من آيات قرآنية مختلفة أنّ هذا لم يكن أوّل طلب من نوعه يتقدم به هؤلاء المشركون الأغنياء المتكبرون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل لقد تكرر اعتراضهم على النّبي بشأن اجتماع الفقراء حوله، و مطالبتهم إياه بطردهم.
في الحقيقة كان هؤلاء يستندون في طلبهم ذاك إلى سنة قديمة خاطئة تقيم المرء على أساس ثروته، و كانوا يعتقدون أنّ المعايير الطبقية القائمة على أساس الثروة يجب أن تبقى محفوظة، و يرفضون كل دعوة تستهدف إلغاء هذه القيم و المعايير.
في سيرة النّبي نوح عليه السّلام نرى أنّ أشراف زمانه كانوا يقولون له:
[١]- معنى «الوجه» في اللغة معروف، و لكن الكلمة قد تعني «الذات» كما في هذه الآية، و هناك شرح أوفى لذلك في المجلد الثاني من هذا التفسير.