الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - المصلحون يواجهون الصعاب دائما
ثمّ خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمّد؟
قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن و بنو عبد المناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، و حملوا (أي أعطوا الناس ما يركبونه) فحملنا، و أعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب و كنّا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ و اللّه لا نؤمن به أبدا، و لا نصدقه، فقام عنه الأخنس و تركه.
و روي أنّه التقى أخنس بن شريق، و أبو جهل بن هشام فقال له: يا أبا الحكم، اخبرني عن محمّد أصادق هو أم كاذب، فإنّه ليس هاهنا أحد غيري و غيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك و اللّه إنّ محمّدا لصادق و ما كذب قط، و لكن إذا ذهب بنو قصي باللواء و الحجابة و السقاية و الندوة و النّبوة فما ذا يكون لسائر قريش؟! [١].
يتبيّن من هذه الرّوايات و أمثالها أنّ كثيرا من أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الألداء كانوا في باطنهم يعترفون بصدق ما يقول، إلّا أنّ التنافس القبلي و ما إلى ذلك، لم يكن يسمح لهم بإعلان ما يعتقدون، أو لم تكن لديهم الشجاعة على ذلك.
إنّنا نعلم أنّ مثل هذا الإعتقاد الباطني ما لم يصاحبه التسليم، لن يكون له أي أثر، و لا يدخل الإنسان في زمرة المؤمنين الصادقين.
الآية الثّانية تستأنف مواساة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تبيّن له حال من سبقه من الأنبياء، و تؤكّد له أنّ هذا ليس مقتصرا عليه وحده، فالأنبياء قبله نالهم من قومهم مثل ذلك أيضا: وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ.
و لكنّهم صبروا و تحملوا حتى انتصروا بعون اللّه: فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا و هذه سنة إلهية لا قدرة لأحد على تغييرها: وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
و عليه، فلا تجزع و لا تبتئس إذا ما كذبك قومك و آذوك، بل اصبر على
[١]- الرّوايات المذكورة مستفادة من تفسير «المنار» و «مجمع البيان» في ذيل الآية المذكورة.