الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٣ - التّفسير
ثانيا: إنّ اللّه هو وحده مصدر كل رحمة، و هو الذي أوجب على نفسه الرحمة، و يفيض بنعمه على الجميع: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
أ يمكن لربّ هذا شأنه أن يقطع سلسلة حياة البشر نهائيا بالموت فيوقف التكامل و استمرار الحياة؟ أ يتفق هذا مع مبدأ كون اللّه «فياضا» و «ذا رحمة واسعة»؟ أ يمكن أن يكون قاسيا على عباده بهذا الشكل، و هو مالكهم و مدبر شؤونهم، بحيث أنّهم بعد مدّة يفنون و يتبدلون إلى لا شيء؟
طبعا لا، إذ أنّ رحمته الواسعة توجب عليه أن يسير بالكائنات- و خاصة البشر- في طريق التكامل، بمثل ما يجعل برحمته من البذرة الصغيرة الزهيدة شجرة ضخمة قوية، أو يحيلها إلى شجيرة ورد جميلة، كما أنّه بفيض رحمته يبدل النطفة التافهة إلى انسان كامل، هذه الرحمة نفسها توجب أن يرتدي الإنسان- الذي عند امكانية الخلود- لباس حياة جديدة بعد موته في عالم أوسع، تدفعه يد الرحمة في سيره التكاملي الأبدي، لذلك يقول بعد هاتين المقدمتين: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ.
إنّ الآية تبدأ بالاستفهام التقريري الذي يراد به انتزاع الإقرار من السامع، و لمّا كان هذا الأمر مسلما به بالفطرة، كما كان المشركون يعترفون بأنّ مالك عالم الوجود ليس الأصنام، بل اللّه، فإنّ الجواب يرد مباشرة، و هذا أسلوب جميل في عرض مختلف المسائل.
في مواضع أخرى من القرآن يستدل على المعاد بطرق أخرى، بطريق قانون العدالة، و قانون التكامل، و الحكمة الإلهية، و لكن الاستدلال بالرحمة استدلال جديد جاءت به هذه الآية.
في نهاية الآية إشارة إلى مصير المشركين المعاندين و عاقبتهم، فهؤلاء الذين أضاعوا رأس مال وجودهم في سوق تجارة الحياة، لا يؤمنون بهذه الحقائق:
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.