الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤ - هل الظّلمة من المخلوقات؟
«جعل» بشأن النّور و الظلمة، فإنّ للمفسّرين في ذلك كلاما كثيرا، و لكن أقربه إلى الذهن هو القول بأنّ «الخلق» يكون في أصل وجود الشيء، و «الجعل» يكون بشأن الخصائص و الآثار و الكيفيات التي هي نتيجة لخلق تلك المخلوقات، و لما كان النّور و الظلمة حالتين تابعتين فقد عبّر عنهما بلفظة «جعل».
و
روي عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام في تفسير هذه الآية قوله: «و كان في هذه الآية ردّ على ثلاثة أصناف منهم، لما قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فكان ردّا على الدهرية الذين قالوا: إنّ الأشياء لا بدء لها و هي دائمة، ثمّ قال: وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ فكان ردّا على الثنوية الذين قالوا: إنّ النّور و الظلمة هما المدبران.
ثمّ قال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فكان ردّا على مشركي العرب الذين قالوا: إنّ أوثاننا آلهة» [١].
هل الظّلمة من المخلوقات؟
تفيد الآية إنّه مثلما أن «النّور» من مخلوقات اللّه، فإنّ «الظلمة» كذلك من مخلوقاته، مع أنّ الفلاسفة و المختصين بالعلوم الطبيعية يعرفون أنّ الظلمة هي انعدام النّور، و لهذا فلا يمكن اطلاق صفة «المخلوق» على المعدوم إذن، كيف تعتبر الآية المذكورة الظلمة من المخلوقات؟
في ردّ هذا الاعتراض نقول.
أوّلا: الظّلمة ليس تعني دائما الظلام المطلق، بل كثيرا ما تطلق على النّور الضعيف جدا بالمقارنة مع النّور القوي، فنحن جميعا نقول، مثلا، ليل مظلم، مع العلم بأنّ ظلام الليل ليس ظلاما مطلقا، بل هو مزيج من نور النجوم الضعيف أو مصادر أخرى للنور، و على هذا يكون مفهوم الآية هو أنّ اللّه جعل لكم نور النهار و ظلام الليل، فالأوّل نور قوي و الآخر نور ضعيف جدا و واضح أنّ الظلمة، بهذا المعنى، تكون من المخلوقات.
و ثانيا: صحيح أنّ الظلمة المطلقة أمر عدمي، و لكن الأمر العدمي- في ظروف
[١]- تفسير «نور الثقلين» ج ١، ص ٧٠١.