الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - ١- ما القصد من طلب المائدة؟
فبيّنوا قصدهم أنّهم طلبوا المائدة للطعام، و لتطمئن قلوبهم به لما سيكون لهذا الطعام الإلهي من أثر في الروح و من زيادة في الثقة و اليقين.
و لمّا أدرك عيسى عليه السّلام حسن نيّتهم في طلبهم ذاك، عرض الأمر على اللّه: قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
من الواضح هنا أنّ الأسلوب الذي عرض به عيسى بن مريم الأمر على اللّه كان أليق و أنسب، و يحكي عن روح البحث عن الحقيقة و رعاية الشؤون العامّة للمجتمع.
فاستجاب اللّه لهذا الطلب الصادر عن حسن نية و إخلاص، قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.
فبعد نزول المائدة تزداد مسئوليات هؤلاء و تقوى الحجة عليهم، و لذلك فإنّ العقاب سيزداد أيضا في حالة الكفر و الانحراف.
ملاحظات:
هنا لا بدّ من التحقيق في عدّة نقاط من هذه الآيات الكريمة:
١- ما القصد من طلب المائدة؟
لا شك أنّ الحواريين لم يكونوا مدفوعين بقصد شيء في طلبهم هذا، و لا هم كانوا يريدون المشاكسة و المعاندة، بل كانوا يرغبون في بلوغ مرحلة الاطمئنان الأقوى و إبعاد ما بقي من رواسب الشك و الوسوسة من أعماقهم، فكثيرا ما يحدث أنّ إنسانا يتأكد من أمر بالمنطق و حتى بالتجربة، و لكن إذا كان الأمر مهما جدّا فإنّ بقايا من الشك و التردد تظل في ثنايا قلبه، لذلك فهو شديد الرغبة في أن تتكرر تجاربه و اختباراته، أو أن تتبدل استدلالاته المنطقية و العلمية إلى مشاهدات عينية تقتلع من أعماق قلبه جذور تلك الشكوك و الوساوس، و لهذا