الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - قصّة نزول المائدة على الحواريين
المسيح عليه السّلام فاستجابوا وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ.
إن للوحي في القرآن معنى واسعا لا ينحصر في الوحي الذي ينزل على الأنبياء، بل أن الإلهام الذي ينزل على قلوب الناس يعتبر من مصاديقه أيضا، لذلك جاء هذا المعنى في الآية (٧) من سورة القصص بشأن أم موسى التي أوحي إليها [١] بل إن الكلمة تطلق في القرآن حتى على الغرائز التكوينية عند الحيوان، كالنحل.
و هناك احتمال أن يكون المقصود هو الإيحاء الذي كان يلقيه المسيح عليه السّلام بواسطة المعاجز في نفوسهم.
لقد تناولنا الحواريين و أصحاب المسيح عليه السّلام بالبحث في تفسير آية (٥٢) آل عمران هذا التّفسير.
ثمّ تذكر الآية نزول المائدة من السماء: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ.
«المائدة» تعني في اللغة الخوان و السفرة و الطبق، كما تعني الطعام الذي يوضع عليها و أصلها من «ميد» بمعنى التحرك و الاهتزاز، و لعل سبب إطلاق لفظة المائدة على السفرة و الطعام هو ما يلازمها من تحريك و انتقال.
شعر المسيح عليه السّلام بالقلق من طلب الحواريين هذا الذي يدل على الشك و التردد، على الرغم من كل تلك الأدلة و الآيات، فخاطبهم و قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
و لكنّهم سرعان ما أكّدوا للمسيح عليه السّلام أن هدفهم برىء، و أنّهم لا يقصدون العناد و اللجاج، بل يريدون الأكل منها (مضافا إلى الحالة النّورانية في قلوبهم المترتبة على تناول الغذاء السماوي لأنّ للغذاء و نوعيته اثر مسلّم في روح الإنسان) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ.
[١]- وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ....