الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - نعم اللّه على المسيح
ثمّ وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي.
و أخيرا كان من نعمي عليك بأن منعت عنك أذي بني إسرائيل يوم قام الكافرون منهم بوجهك و وسموا ما تفعل بأنّه السحر، فدفعت أذى أولئك المعاندين اللجوجين عنك و حفظتك حتى تسير بدعوتك: وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.
يستلفت النظر في هذه الآية أنّها تكرر «باذني» أربع مرات لكيلا يبقى مكان للغلو في المسيح عليه السّلام و ادعاء الألوهية له، أي أنّ ما كان يحققه المسيح عليه السّلام بالرغم من إعجازه و إثارته الدهشة و مشابهته للأفعال الإلهية، لم يكن ناشئا منه، بل كان من اللّه و باذنه، فما كان عيسى سوى عبد من عبيد اللّه، مطيع لأوامره، و ما كان له إلّا ما يستمده من قوة اللّه الخالدة.
و قد يسأل سائل: إنّ كانت هذه النعم كلها قد أسبغت على عيسى عليه السّلام فلما ذا تعتبر الآية هذه النعم قد أسبغت على أمّه أيضا؟
لا شك أنّ كل موهبة تصل الابن تكون قد وصلت الأم أيضا، فكلاهما من اصل واحد، و من شجرة واحدة.
و كما ذكرنا في ذيل الآية (٤٩) من سورة آل عمران، فإن هذه الآية و الآيات المشابهة دلائل على ولاية أولياء اللّه التكوينية، ففي تاريخ حياة المسيح عليه السّلام ينسب إليه إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، و لكن بأمر اللّه و إذنه.
يتّضح من هذا أنّ من الممكن أن ينعم اللّه على من يشاء قدرة كهذه تمكنه من التصرف بعالم التكوين و القيام بأمثال هذه الأعمال أحيانا، إنّ تفسير هذه الآية بأنّها تشير إلى دعاء الأنبياء و استجابة اللّه لدعائهم هو خلاف ظاهر الآية، و أنّ ما نقصده بولاية أولياء اللّه التكوينية هو هذا الذي قلناه آنفا، إذ ليس ثمّة دليل على أكثر من هذا المقدار (انظر تفسير سورة آل عمران الآية (٤٩) لمزيد من التوضيح).