الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - القصاص و العفو
الحيدة عنه، استدركت الآية بعد ذكر حكم القصاص فبيّنت أن الذي يتنازل عن حقه في هذا الأمر و يعفو و يصفح عن الجاني، يعتبر عفوه كفارة له عن ذنوبه بمقدار ما يكون للعفو من أهمية فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ... [١].
و يجب الانتباه إلى أنّ الضمير الوارد في كلمة (به) يعود على القصاص، و كانت الآية جعلت التصدق بالقصاص عطية أو منحة للجاني و استخدام عبارة «التصدق» و الوعد الذي قطعه اللّه للمتصدق، يعتبران عاملا محفزا على العفو و الصفح، لأنّ القصاص لا يمكنه أن يعيد للإنسان ما فقده مطلقا، بل يهبه نوعا من الهدوء و الاستقرار النفسي المؤقت، بينما العفو الذي وعد به اللّه للمتصدق، بإمكانه أن يعوضه عما فقده بصورة أخرى، و بذلك يزيل عن قلبه و نفسه بقايا الألم و الاضطراب، و يعتبر هذا الوعد خير محفز لمثل هؤلاء الأشخاص.
و
قد ورد عن الحلبي قال سألت أبا عبد اللّه- الإمام الصادق- عليه السّلام عن قوله اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ ... قال: «يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفى» [٢].
و تعتبر هذه الجملة القرآنية في الحقيقة خير جواب مفحم للذين يزعمون أن القصاص ليس بقانون عادل، و يدعون أنّه يشجع روح الانتقام و المثلة.
و الذي يفهم من الصياغة العامّة للآية هو أنّ جواز القصاص إنّما هو لإخافة و إرعاب الجناة و بالنتيجة لضمان الأمن لأرواح الناس الأبرياء، كما أنّ الآية فتحت باب العفو و التوبة، و بذلك أراد الإسلام أن يحول دون ارتكاب مثل هذه الجرائم باستخدام الروادع و الحوافز كالخوف و الأمل، كما استهدف الإسلام من ذلك- أيضا- الحيلولة دون الانتقام للدم بالدم بقدر الإمكان- إذا استحق الأمر
[١]- لقد أورد الكثير من المفسّرين احتمالا آخر، و هو أن الضمير الوارد في كلمة «له» يعود على شخص الجاني، بحيث يصبح المعنى أن الذي يتنازل عن حقه يرفع بذلك القصاص عن الجاني و يكون ذلك كفارة لعمل الجاني، إلّا أن ظاهر الآية يدل على التفسير الذي أشرنا إليه أعلاه.
[٢]- نور الثقلين، الجزء الأول، ص ٦٣٧.