الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧ - القصاص و العفو
و كذلك الحال بالنسبة للأنف و الأذن و السن و الجروح الأخرى، وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ ...
و على هذا الأساس فإنّ حكم القصاص يطبق بشكل عادل على المجرم الذي يرتكب أحد الجرائم المذكورة، دون الالتفات إلى عنصره أو قوميته أو طبقته الاجتماعية أو طائفته، و لا مجال أبدا لاستخدام التمايز القومي أو الطبقي أو الطائفي لتأخير تطبيق حكم القصاص على الجاني.
و بديهي أنّ تطبيق حكم القصاص على المعتدي شأنه شأن الأحكام الإسلامية الأخرى، مقيد بشروط و حدود ذكرتها كتب الفقه، و لا يختص هذا الكلام و لا ينحصر ببني إسرائيل وحدهم، لأنّ الإسلام- أيضا- جاء بنظيره كما ورد في آية القصاص في سورة البقرة- الآية (١٧٨).
و قد أنهت هذه الآية التمايز غير العادل الذي كان يمارس في ذلك الوقت حيث ذكرت بعض التفاسير أنّ تمايزا غريبا كان يسود بين طائفتين من اليهود، هما بنو النضير و بنو قريظة الذين كانوا يقطنون المدينة المنورة في ذلك العصر، لدرجة أنّه إذا قتل أحد أفراد طائفة بني النضير فردا آخر من طائفة بني قريظة فالقاتل لا ينال القصاص، بينما في حالة حصول العكس فإن القاتل الذي كان من طائفة بني قريظة كان ينال القصاص إن هو قتل واحدا من أفراد طائفة بني النضير.
و لمّا امتد نور الإسلام إلى المدينة سأل بنو قريظة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن هذا الأمر، فأكّد النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن لا فرق في الدماء بين دم و دم ... فاعترضت قبيلة بني النضير على حكم النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ادعت أنّ حكمه حطّ من شأنهم، فنزلت الآية الأخيرة و بيّنت أنّ هذا الحكم غير مختص بالإسلام، بل حتى الديانة اليهودية أوصت بتطبيق قانون القصاص بصورة عادلة [١].
و لكي لا يحصل و هم أنّ القصاص أو المقابلة بالمثل أمر الزامي لا يمكن
[١]- تفسير القرطبي، الجزء الثّالث، ص ٢١٨٨.