الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٤٩ - الأمر بالمشاورة
المكروه و وقع ما وقع من البلاء، و هنا كان كثيرون يتصورون بأن على النبي أن لا يشاور بعد ذلك أحدا، و أن عليه أن يتصرف كما يرى هو، و لكن القرآن الكريم جاء يرد على هذا التصور، و يجيب على هذا النوع من التفكير و يأمر النبي بأن يعيد المشاورة إذ يقول: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ لأن المشاورة و إن لم تنفع في بعض المواضع، فإنها نافعة على العموم، بل إن نتائجها المفيدة الكثيرة لو قيست إلى بعض النتائج السلبية و غير المفيدة تبدو أكثر أضعافا كما و أن أثرها في صياغة الأفراد و الجماعات و إنماء شخصيتهم من الأهمية بحيث يغطي على نقاط ضعفها، بل هو أبرز آثارها و أهم فوائدها الذي لا يمكن و لا يجوز التغاضي عنه.
و الآن نرى في أي المواضيع كان يشاور الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلّم أصحابه؟
صحيح أن كلمة «الأمر» في قوله تعالى وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ذات مفهوم واسع يشمل جميع الأمور، و لكن من المسلم أيضا أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم يشاور الناس في الأحكام الإلهية مطلقا، بل كان في هذا المجال يتبع الوحي فقط.
و على هذا الأساس كانت المشاورة في كيفية تنفيذ التعاليم و الأحكام الإلهية على أرض الواقع.
و بعبارة أخرى: إن النبي لم يشاور أحدا في التقنين، بل كان يشاور في كيفية التطبيق و يطلب وجهة نظر المسلمين في ذلك.
و لهذا عند ما كان يقترح النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أمرا- أحيانا- بادره المسلمون بهذا السؤال: هل هذا حكم إلهي لا يجوز إبداء الرأي فيه، أو أنه يرتبط بكيفية التطبيق و التنفيذ؟ فإذا كان من النوع الثاني، أدلى الناس فيه بآرائهم، و أما إذا كان من النوع الأول لم يكن منهم تجاهه سوى التسليم و التفويض.
ففي يوم بدر جاء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أدنى ماء من بدر فنزل عنده، فقال «الحباب ابن المنذر»: يا رسول اللّه أ رأيت هذا المنزل، أ منزلا أنزله اللّه ليس لنا أن نتقدمه و لا