الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٤٧ - الأمر بالعفو العام
فأصدر اللّه سبحانه إلى نبيه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أمره بأن يعفو عنهم، و يتجاوز عن سيئهم و يستقبل المخطئين التائبين منهم بصدر رحب.
إذ قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ و لقد أشير في هذه الآية- قبل أي شيء- إلى واحدة من المزايا الأخلاقية لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، ألا و هي اللين مع الناس و الرحمة بهم، و خلوه من الفظاظة و الخشونة.
«الفظّ»- في اللغة- هو الغليظ الجافي الخشن الكلام، و «غليظ القلب» هو قاسي الفؤاد الذي لا تلمس منه رحمة، و لا يحس منه لين.
و هاتان الكلمتان و ان كانتا بمعنى واحد هو الخشونة، إلّا أن الغالب استعمال الأولى في الخشونة الكلامية، و استعمال الثانية في الخشونة العملية و السلوكية، و بهذا يشير سبحانه إلى ما كان يتحلى به الرسول الأعظم من لين و لطف تجاه المذنبين و الجاهلين.
ثمّ إنه سبحانه يأمر نبيه بأن يعفو عنهم إذ يقول: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
و هذا الكلام يعني أنه سبحانه يطلب منه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يتنازل عن حقه لهم إذ تفرقوا عنه في أحلك الظروف، و سببوا له تلك المصائب و المتاعب في تلك المعركة، و أنه يشفع لهم لدى نبيه بأن يتجاوز عنهم، و أن يشفع هو بدوره لهم عند اللّه و يطلب المغفرة لهم منه سبحانه.
و بتعبير آخر أنه سبحانه يطلب من نبيه أن يعفو عنهم فيما بينه و بينهم، و أما ما بين اللّه و بينهم فهو سبحانه يغفر لهم ذلك. و قد فعل الرسول الكريم ما أمره به ربه و عفى عنهم جميعا.
و من الواضح أن هذا المقام كان من الموارد التي تتطلب حتما العفو و المغفرة، و اللطف و اللين، و لو أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فعل غير ذلك لكان يؤدي ذلك إلى انفضاض