الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٧ - التّفسير
هذا جانب آخر من خطاب اللّه إلى المسيح. و القصد من التطهير هنا هو إنقاذه من الكفّار الخبثاء البعيدين عن الحقّ و الحقيقة الذين كانوا يوجّهون إليه التهم الباطلة، و يحوكون حوله المؤامرات ساعين إلى تلويث سمعته، فنصر اللّه دينه، و طهّره من تلك التهم، بمثل ما نقرأه عن نبيّ الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم في أوّل سورة الفتح إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ. أي أنّنا هيّأنا لك نصرا واضحا كي يغفر لك اللّه ذنوبك السابقة و اللاحقة (و يطهّرك من التهم التي ألصقوها بك على شكل ذنوب).
كما يحتمل أن يعني التطهير إخراج المسيح من ذلك المحيط الملوّث. و هذا يناسب الآية السابقة.
وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
و هذه بشارة يبشّر بها اللّه المسيح و أتباعه لتشجيعهم على المضيّ في الطريق الذي اختاروه. و الواقع أنّ هذه واحدة من آيات الإعجاز و من تنبّؤات القرآن الغيبية التي تقول إنّ أتباع المسيح سوف يسيطرون دائما على اليهود الذين عادوا المسيح.
و ها نحن اليوم نرى هذه الحقيقة رأي العين، فاليهود الصهاينة،- بغير الاستناد إلى المسيحيّين- غير قادرين على إدامة حياتهم السياسية و الاجتماعية يوما واحدا. بديهيّ أنّ «الكافرين» هنا هم اليهود الذين كفروا بالمسيح.
و في ختام الآية يقول تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ و يعني أن ما تقدّم من الانتصارات و البشائر يتعلق بالحياة الدنيا، أمّا المحكمة النهائية و نيل الجزاء الكامل فسيكون في الآخرة.