الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٦ - التّفسير
و لكن الذي لا بدّ من قوله الآن هو أنّ هذه الآية ليس فيها دليل على موت عيسى، على الرغم من أنّ بعضهم تصوّر أنّ كلمة «متوفّيك» من «الوفاة».
و على ذلك فإنّهم يرون أنّ هذا الموضوع يتعارض مع الرأي السائد بين المسلمين، و الذي تؤيّده الأحاديث، من أنّ عيسى لم يمت و أنّه حي. و لكن الأمر ليس كذلك.
«الفوت» هو بعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه. و «الوافي» الذي بلغ التمام، و وفى بعهده إذا أتمّه و لم ينقضه. و إذا استوفى أحد دينه من المدين قيل «توفّى دينه».
و في القرآن وردت «توفّى» كرارا: وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [١]. فهنا عبّر عن النوم بكلمة «يتوفّاكم».
هذا المعنى نفسه يرد في الآية ٤٢ من سورة الزمر، كما ترد كلمة «توفّى» في آيات أخرى بمعنى الأخذ.
صحيح أنّ «توفّى» قد تأتي أحيانا بمعنى الموت، و لكنّها حتّى في تلك المواضع لا تعني الموت حقّا، بل بمعنى قبض الروح. و الواقع أنّ مادّة «فوت» و مادّة «و في» منفصلتان تماما.
ممّا تقدّم يكون تفسير الآية واضحا.
يقول اللّه: يا عيسى إنّني سوف استوفيك و أرفعك إليّ. و هذا يعني حياة عيسى، لا موته (و طبعا إذا كانت كلمة «توفي» بمعنى قبض الروح فقط. فإن لازم ذلك هو الموت).
ثمّ تضيف الآية وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
[١]- الأنعام: ٦٠.