الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٤ - بقية امتيازات المسيح عليه السّلام
إنّ الذين يختارهم اللّه لقيادة الناس و هدايتهم، لا بدّ أن يكونوا في أعلى درجة من العلم و المعرفة و أن يقدّموا أسمى التعاليم و القوانين البنّاءة، ثمّ بعد ذلك عليهم أن يظهروا أدلّة واضحة على علاقتهم باللّه، لتوكيد مهمّتهم. و بهذين الوسيلتين تكتمل عملية هداية الناس، و في الآيات أعلاه تمت الإشارة إلى هذين الأمرين. ففي الأولى كان الكلام عن علم المسيح و كتبه السماوية. و في الآية الثانية إشارة إلى معجزاته العديدة. ثمّ تبيّن الهدف من كلّ ذلك و هو هداية بني إسرائيل المنحرفين وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ.
من الجدير بالذكر أنّ الآية تفيد أنّ رسالة عيسى كانت موجّهة إلى بني إسرائيل فقط. و هذا لا يتنافى مع كونه من أولي العزم، لأنّ أولي العزم هم الأنبياء الذين جاؤوا بدين جديد، حتّى و إن لم يكن عالميّ الرسالة. و قد جاء في تفسير «نور الثقلين» حديث عن اقتصار رسالة عيسى على بني إسرائيل [١].
إلّا أنّ بعض المفسّرين يرون احتمال عالمية رسالة المسيح، و أنّها لم تكن محصورة ببني إسرائيل، على الرغم من أنّ بني إسرائيل كانوا على رأس الذين أرسل إليهم لهدايتهم. يورد المرحوم العلّامة المجلسي في «بحار الأنوار» أخبارا عن أولي العزم من الأنبياء تؤيّد أنّها كانت رسالات عالمية [٢].
ثمّ تضيف الآية أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ و ليست آية واحدة، بل آيات عديدة (لأنّ التنوين جاء هنا لبيان عظمة هذه الآية، لا لبيان وحدتها».
و لمّا كانت دعوة الأنبياء في الحقيقة دعوة إلى حياة حقيقية، فإنّ هذه الآية- عند بيان معجزات السيّد المسيح عليه السّلام- تبدأ بذكر بثّ الحياة في الأموات بإذن اللّه، و تقول على لسان المسيح عليه السّلام أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ.
[١]- نور الثقلين: ج ١ ص ٣٤٣.
[٢]- بحار الأنوار: ج ١١ ص ٣٢ الطبعة الجديدة.