الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - احترام الأشهر الحرم و المقابلة بالمثل
الآية الكريمة تكشف مؤامرة المشركين و تحمّل المسلمين مسئوليّة مواجهة العدوان حتّى في الأشهر الحرم فتقول الآية: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ أي أنّ الأعداء لو كسروا حرمة و احترام هذه الأشهر الحرم و قاتلوكم فيها فلكم الحقّ أيضا في المقابلة بالمثل، لأن وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ.
(حرمات) جمع «حرمة» و تعني الشيء الّذي يجب حفظه و احترامه، و قيل للحرم: حرم لأنّه مكان محترم و لا يجوز هتكه. و يقال الأعمال الممنوعة و القبيحة حرام لهذا السبب، و لهذا أيضا كانت بعض الأعمال محرّمة في الشهر الحرام و الأرض الحرم.
و هذه العبارة وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ تتضمنّ جوابا رابعا لأولئك الّذين اعترضوا على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لإباحته الحرب في الأشهر الحرم، أو أرض مكّة المكرّمة الحرم الإلهي الآمن، و تعني أنّ احترام الأشهر الحرم ضروري أمام العدو الّذي يراعي حرمة هذه الأشهر، أمّا العدو الّذي يهتك هذه الحرمة فلا تجب معه رعاية الاحترام و تجوز محاربته حتّى في هذه الأشهر، و امر المسلمون أن يهبّوا للجهاد عند اشتعال نار الحرب كي لا تخامر أذهان المشركين فكرة انتهاك حرمة هذه الشّهور.
ثمّ تشرّع الآية حكما عامّا يشمل ما نحن فيه و تقول: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
فالإسلام- و خلافا للمسيحيّة الحاليّة الّتي تقول (إذا لطمك شخص على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر) [١]- لا يقول بمثل هذا الحكم المنحرف الّذي يبعث على جرأة المعتدي و تطاول الظّالم، و حتّى المسيحيّون في هذا الزّمان لا يلتزمون مطلقا بهذا الحكم أيضا، و يردّون على كلّ عدوان مهما كان قليلا بعد و ان أشد، و هذا أيضا مخالف لدستور الإسلام في الرّد، فالإسلام يقول: يجب التصدّي للظّالم
[١]- إنجيل متّى- الباب ٥- الرقم ٣٩.