الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٠ - الدعوة إلى الاتحاد
على أنه ليس من شكّ في أن الآية الثانية تعتبر تخصيصا- في الحقيقة- لمفاد الآية الأولى و تقييدا بالاستطاعة و القدرة، و حيث أن لفظة النسخ كانت- عند القدماء- تطلق على التخصيص، لذلك من الممكن أن يكون المراد من قول القائل بأن الآية الثانية ناسخة للأولى هو كونها مخصصة للأولى لا غير.
ثمّ إنه بعد أن أوصى جميع المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى انتهت الآية بما يعتبر تحذيرا- في حقيقته- للأوس و الخزرج و غيرهم من المسلمين في العالم، تحذيرا مفاده: أن مجرد اعتناق الإسلام و الانضمام إلى هذا الدين لا يكفي، إنما المهم أن يحافظ المرء على إسلامه و إيمانه و اعتقاده إلى اللحظة الأخيرة من عمره و حياته، فلا يبدد هذا الإيمان بإشعال الفتن و إثارة نيران البغضاء أو بالانسياق وراء العصبيات الجاهلية الحمقاء، و الضغائن المندثرة فتكون عاقبته الخسران، و ضياع كلّ شيء و لهذا قال سبحانه وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
الدعوة إلى الاتحاد
بعد أن أوصت الآية السابقة كلّ المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى و مهدت بذلك النفوس و هيأتها، جاءت «الآية الثانية» تدعوهم بصراحة إلى مسألة الاتحاد، و الوقوف في وجه كلّ ممارسات التجزئة و إيجاد الفرقة، فقال سبحانه في هذه الآية وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا.
و لكن ما المقصود من «حبل اللّه» في هذه الآية؟ فقد ذهب المفسّرون فيه إلى احتمالات مختلفة، فمنهم من قال بأنه القرآن، و منهم من قال: بأنه الإسلام، و منهم من قال بأنهم الأئمّة المعصومون من آل الرسول و أهل بيته المطهرين.