الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٤ - مفرقو الصفوف و مثيرو الخلاف
الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ و المخاطب في هذه الآية هم أهل الكتاب و يقصد منهم هنا اليهود، فاللّه سبحانه يأمر نبيه في هذه الآية أن يسألهم معاتبا عن علّة كفرهم بآيات اللّه في حين أن اللّه يعلم بأعمالهم.
و المراد من آيات اللّه المذكورة في هذا المقام إما الآيات الواردة في التوراة حول الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم و علائم نبوته، أو مجموعة الآيات و المعجزات التي نزلت على نبي الإسلام، و تحققت على يديه، و كشفت عن حقانيته، و صدق دعوته، و صحّة نبوته.
ثمّ جاءت الآية الثانية تلومهم قائلة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ، تَبْغُونَها عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَداءُ أي قل يا رسول اللّه لهم لائما و منددا: إذا كنتم غير مستعدين للقبول بالحقّ، فلما ذا تصرون على صرف الآخرين عنه، و صدهم عن سبيل اللّه، و إظهار هذا الطريق المستقيم في صورة السبيل الأعوج بما تدخلون من الشبه على الناس، في حين ينبغي- بل يتعين- أن تكونوا أول جماعة تبادر إلى تلبية هذا النداء الإلهي، لما وجدتموه من البشائر بظهور هذا النبي في كتبكم و تشهدون عليه.
فإذا كان الأمر كذلك فلم هذه الوساوس و المحاولات لإلقاء الفرقة و إضلال الناس، و إزاحتهم عن سمت الحقّ، و صدهم عن السبيل الإلهي القويم؟ و لم تحملون أثقالا إلى أثقالكم، و تتحملون إلى إثم الضلال جريمة الإضلال؟، لماذا؟
هل تتصورون أن كلّ ما تفعلونه سيخفى علينا؟ كلّا ... وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ إنه تهديد بعد تنديد، و إنه إنذار بعد لوم شديد.
و لعلّ وصفه سبحانه بعدم الغفلة في هذا المقام لأجل أن اليهود كانوا- لإنجاح محاولاتهم- يتكتمون و يتسترون، و يعمدون إلى حبك المؤامرات في الخفاء، لينجحوا في التأثير على المغفلين و البسطاء بنحو أفضل، و ليجنوا المزيد من الثمار،