الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - تجلّي آخر للمعاد في هذه الدنيا
لآخر لبيان سهولة الأمر عليه: اشرب هذا القدح من الماء حتّى أنهي هذا العمل و يريد بذلك بيان سهولته، لا أنّ الآخر يجب عليه أن يشرب الماء.
و أستدلّ أنصار النظريّة الثانية بكلمة فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ و قالوا إنّ هذه الجملة إذا كانت متعدّية بحرف (إلى) فتكون بمعنى الأنس و الميل، فعلى هذا يكون مفهوم الجملة أنّه (خذ هذه الطيور و آنسهن بك) مضافا إلى أنّ الضمائر في (صرهنّ) و (منهنّ) و (ادعهنّ) كلّها تعود إلى الطيور، و هذا لا يكون سليما إلّا إذا أخذنا بالتفسير الثاني، لأنّه على التفسير الأوّل تعود بعض هذه الضمائر على نفس الطيور و تعود البعض الآخر على أجزائها، و هذا غير مستساغ في الاستعمال.
الجواب على هذه الاستدلالات سيأتي ضمن تفسيرنا للآية الشريفة و لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّ الآية تبيّن بوضوح هذه الحقيقة، و هي أنّ إبراهيم عليه السّلام طلب من اللّه تعالى المشاهدة الحسيّة للمعاد و البعث لكي يطمئنّ قلبه، و لا شكّ أنّ ضرب المثل و التشبيه لا يجسّد مشهدا و لا يكون مدعاة لتطمين الخاطر، و في الحقيقة أنّ إبراهيم كان مؤمنا عقلا و منطقا بالمعاد، و لكنّه كان يريد أن يدرك ذلك عن طريق الحس أيضا.
و الآن نبدأ بتفسير الآية ليتّضح لنا أيّ التفسيرين أقرب و أنسب:
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى.
سبق أن قلنا إنّ هذه الآية تكملة للآية السابقة في موضوع البعث، يفيد تعبير أَرِنِي كَيْفَ ... أنّه طلب الرؤية و الشهود عيانا لكيفيّة حصول البعث لا البعث نفسه.
قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
كان من الممكن أن يتصور بعضهم أنّ طلب إبراهيم عليه السّلام هذا إنّما يدلّ على تزلزل إيمان إبراهيم عليه السّلام، و لإزالة هذا التوهّم أوحى إليه السؤال: «أو لم تؤمن؟»