الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - تجلّي آخر للمعاد في هذه الدنيا
لكي يأتي جوابه موضحا الأمر، و مزيلا كلّ التباس قد يقع فيه البعض في تلك الحادثة، لذلك أجاب إبراهيم عليه السّلام بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
يفهم من هذه الآية أيضا على أنّ الاستدلالات العملية و المنطقية قد تؤدّي إلى اليقين و لكنها لا تؤدّي إلى اطمئنان القلب، إنّها ترضي العقل لا القلب و لا العواطف. إنّ ما يستطيع أن يرضي الطرفين هو الشهود العيني و المشاهد الحسيّة.
هذا موضوع مهمّ سوف نزيده إيضاحا في موضعه.
التعبير بالاطمئنان القلبي يدلّ على أن الفكر قبل وصوله إلى مرحلة الشهود يكون دائما في حالة حركة و تقلّب و لكن إذا وصل مرحلة الشهود يسكن و يهدأ.
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً.
«صرهنّ» من «الصور» أي التقطيع، أو الميل، أو النداء، و معنى التقطيع أنسب.
أي خذ أربعة من الطير و اذبحهنّ و قطّعهنّ و اخلطهنّ.
لقد كان المقصود أن يشاهد إبراهيم عليه السّلام نموذجا من البعث و عودة الأموات إلى الحياة بعد أن تلاشت أجسادها. و هذا لا يأتلف مع أملهنّ و لا مع صح بهنّ و على الأخصّ ما يأتي بعد ذلك ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً و هذا دليل على أنّ الطيور قد قطّعت أوّلا و صارت أجزاء. و لعلّ الذين قالوا إنّ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ تعني استمالتهنّ و ايناسهنّ قد غفلوا عن لفظة «جزءا» هذه، و كذلك الهدف من هذا العمل.
و بذلك قام إبراهيم بهذا العمل و عند ما دعاهنّ تجمّعت أجزائهنّ المتناثرة و تركبّت من جديد و عادت إلى الحياة، و هذا الأمر أوضح لإبراهيم عليه السّلام أنّ المعاد يوم القيامة سيكون كذلك على شكل واسع و بمقياس كبير جدّا.
و يرى بعضهم أنّ كلمة (سعيّا) تعني أنّ الطيور بعد أن عادت إليهنّ الحياة لم يطرن، بل مشين مشيا إلى إبراهيم عليه السّلام لئنّ السعي هو المشي السريع، و ينقل عن