بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٨٦ - هل يعتبر إذن الأبوين في أداء الحج تطوعاً إذا كان مستلزماً لأذيتهما؟
شفقتهما عليه أو لا؟
قيل بالحرمة، واستدل لها بوجوه ..
الوجه الأول: قوله تعالى [١] : ((فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)) فقد استند إليه المحقق العراقي (قدس سره) في بعض كلماته [٢] وكذلك السيد الأستاذ (قدس سره) في المقام حيث أفاد [٣] : (أنه لو فرضنا أن حج الولد توقف على السفر والابتعاد عن الوالدين ــ كما هو الغالب ــ وكان السفر معرضاً للخطر من حرٍّ أو عدوٍّ بحيث يتأذى فيه الوالدان ويقعان من أجله في قلق واضطراب طيلة الذهاب والإياب فحينئذٍ يمكن أن يقال بعدم الجواز، نظراً إلى حرمة إيذائهما المستفادة من قوله تعالى: ((فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)) فيحرم الحج من أجل استلزامه الحرام).
أقول: مبنى الاستدلال بالآية الكريمة ــ كما صرح به المحقق العراقي (قدس سره) ــ هو الأخذ بمفهوم الأولوية وفحوى الخطاب، أي أنه إذا كان قول (أف) حراماً وهو الأخف والأدنى من حيث ما يتسبب فيه من التأذي ــ وقد ورد في رواية أبي البلاد [٤] : ((لو علم الله شيئاً أدنى من أفٍ لنهى عنه)) ــ فالتصرف الموجب للتأذي بدرجة أكبر حرام بطريق أولى.
ولكن هذا الاستدلال غير تام، كما يظهر بملاحظة تمام الآية الكريمة، فقد قال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا)) .
قال ابن منظور [٥] : (أف كلمة تضجر)، وقال الزجاج [٦] : معنى الآية الكريمة: (لا تقل لهما ما فيه أدنى تبرم إذا كبرا أو أسنّا)، وقد ورد في صحيح أبي
[١] الإسراء:٢٣.
[٢] العروة الوثقى ج:٣ ص:١١٥ التعليقة:١.
[٣] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٣٥.
[٤] الكافي ج:٢ ص:٣٤٩.
[٥] لسان العرب ج:٩ ص:٦.
[٦] لسان العرب ج:٩ ص:٧.