بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨١ - دعوى دلالة الآية على اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج والجواب عنها
لممارسة مهنته، مما يدل على أن اشتغال الذمة بتكليف ما يعدّ في نظر العرف مانعاً عن صدق القدرة على الإتيان بالفعل المزاحم لمتعلقه.
ويمكن أن يخرَّج هذا على ما تقدم آنفاً من أن صدق القدرة على فعل منوط عرفاً بعدم كون الإتيان به موجباً للوقوع في العسر والحرج الشديدين، وهو موجب له لا محالة إذا كان مستلزماً لمخالفة حكم إلزامي متوجه إلى المكلف, لأنه يقع بسبب ذلك تحت طائلة المساءلة والمحاسبة ويستحق به العقوبة، وربما يتعرض لها وفي ذلك حرج بالغ عليه.
هذا ولكن الصحيح أن العرف لا يساعد على نفي القدرة على الإتيان بفعل لمجرد اشتغال الذمة بالتكليف المتعلق بما هو مزاحم له، بل يمكن التفصيل في ذلك حسب اختلاف الموارد ..
مثلاً: إذا وقع زلزال في بلد وحصر العشرات تحت ركام الأبنية والعمارات، وقيل لموظف في دائرة حكومية: (شارك في عمليات الإنقاذ إذا كنت قادراً على ذلك) لم يسعه الجواب بـ(أني لا أقدر لأن عندي وظيفة)، فإن العرف لا يراه في مثل ذلك عاجزاً عن المساهمة في عمليات إنقاذ المصابين لمجرد أنه لو شارك فيها لفاته عمله الوظيفي.
والسر في ذلك: أن القدرة تارة: تلاحظ بالنسبة إلى فعل واحد، وأخرى: تلاحظ بالنسبة إلى الجمع بين فعلين، فإذا كان الشخص قادراً في فعلين على الإتيان بكل واحد منهما في حدِّ ذاته، ولكن لا يمكنه الجمع بينهما ــ كإنقاذ غريقين مثلاً ــ فلا يصح إطلاق القول بالنسبة إلى أي منهما بانه غير قادر على الإتيان به, أي لا يسعه أن يقول: (أنا غير قادر على إنقاذ الغريق (أ)) أو يقول: (أنا غير قادر على إنقاذ الغريق (ب)). نعم مع اختصاص أحد الفعلين بالأولوية الملزمة تعدّ قدرته محسوبة له ويعدّ بالتالي غير قادر بالنسبة إلى الفعل الآخر فيسعه القول بأنه لا يقدر على الإتيان به, كما في مثال الطبيب المتقدم, فإنه لما لم يمكنه الجمع بين أداء عمله الوظيفي في المستشفى وزيارة المريض للفحص الدوري وكان الأول يحظى بالأولوية الملزمة عدّ غير قادر على زيارة المريض.