بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٥٨ - من علم أنه سينتابه الجنون لو لم يأخذ دواءً معيناً فهل يلزمه استعماله ليتمكن من أداء الحج؟
حصول الاستطاعة وإن كان قبل حلول أشهر الحج, وإنما يتأخر الإتيان بمناسكها إلى حين حلول ذلك الزمان.
وعلى ذلك فإن بني على كون الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج إنما هي الاستطاعة العرفية ــ أي أنه إذا كان الشخص بالغاً عاقلاً وصدق عرفاً أنه متمكن من أداء الحج من عامه هذا مثلاً فإنه يتوجه إليه التكليف بأدائه ــ فإن كان المريض المبحوث عنه غير مستطيع بعدُ للإتيان بالحج كما إذا لم يكن يملك المال الوافي بنفقته أو لم يكن قد منح سمة الدخول إلى الأراضي المقدسة في الموسم فلا يجب عليه استعمال الدواء المانع من الإصابة بنوبة الجنون وإن علم أنه سيتوفر له المال أو السمة أو نحوهما في وقت لاحق من هذا العام، لما تقدم من أن العقل من شروط الوجوب فلا موجب لفعل ما يمنع من زواله قبل فعلية الوجوب في حق المكلف.
وأما إذا فرض صدق كون المريض المذكور مستطيعاً للحج من جهة توفر المال وغيره مع قدرته على الحدّ من مضاعفات مرضه باستعمال الدواء الخاص لئلا يؤدي إلى إصابته بالجنون في الموسم مثلاً فيمكن أن يقال: إنه يلزمه القيام بذلك، إلا إذا فرض أن كلفة الدواء باهضة وتعدّ مجحفة بحاله، فإنه لا يجب عليه حينئذٍ تحملها كما سيأتي وجهه.
والوجه في لزوم استعمال الدواء في غير هذه الصورة هو أن المفروض فعلية التكليف بأداء الحج فيستقل الفعل بلزوم الخروج عن عهدته بالامتثال فلا بد من القيام بكل ما يلزم لذلك, ونظيره ما إذا كان واجداً للطهارة المائية بعد دخول الوقت حيث بنى العديد من الفقهاء (رضوان الله عليهم) على لزوم حفظها وأداء الصلاة بها، وعُلّل بمثل ما ذكر.
وأما ما ذكر من أنه لا يجب على المرأة استعمال العقار الموجب لتأجيل الدورة الشهرية لتتمكن من صيام جميع أيام الشهر فالوجه فيه هو أن صيام كل يوم من شهر رمضان إنما يصير فعلياً عند طلوع الفجر من ذلك اليوم، لا أن صيام جميع الأيام يصير فعلياً من حين دخول الشهر كما ذهب إليه بعض