بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤٣ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
بعدم صرف المكلف قدرته في ما لا يقل عن متعلقه أهمية فليس مقتضاه اندراج جميع موارد التضاد الاتفاقي بين متعلقي تكليفين إلزاميين ــ من جهة قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما ــ في باب التزاحم, بل لا بد من الالتزام باندراج بعضها في باب التعارض, وعلى العكس من ذلك لا بد من الالتزام بعدم اندراج جميع موارد التضاد الدائمي في باب التعارض بل اندراج بعضها في باب التزاحم. وهذا غير مطابق للرؤية العقلائية.
توضيح ذلك: أنه إذا قال المولى: (تجب الصلاة عند طلوع الفجر)، وقال أيضاً: (يجب إنقاذ الغريق)، فإن كلا الحكمين يكون مما أُنشأ على سبيل القضية الحقيقية, أي التي يكون الحكم فيها منصباً على الموضوع المقدّر وجوده، وهو في المثالين البالغ العاقل القادر على أداء الصلاة والقادر على إنقاذ الغريق, فإذا بُني على كون كل من الحكمين مقيداً بعدم صرف القدرة في ما لا يقل عن متعلقه في الأهمية فلا يكون هناك تعارض بين الدليلين الدالين عليهما, بل يكون الإتيان بالأهم من المتعلقين موجباً لانتفاء موضوع الحكم الآخر، ومع التساوي في الأهمية يكون الإتيان بكل منهما كذلك, وهذا ضرب من الورود الذي يُذكر في مقابل الحكومة في علم الأصول.
وأما إذا بُني على كون كل من الحكمين مطلقاً من حيث الاشتغال بمتعلق الآخر فمقتضى ما تقدم من البرهان العقلي لمسلك المقيد اللبّي هو وقوع التعارض بين الإطلاقين, إذ مقتضى إطلاق الحكم بوجوب الصلاة هو مطلوبيتها حتى في حال الاشتغال بإنقاذ الغريق، ومقتضى إطلاق الحكم بوجوب الإنقاذ مطلوبيته حتى في حال الاشتغال بالصلاة, ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكونا مطلوبين في وقت واحد, لأنه بمعنى طلب الجمع بين الضدين, فيقع التعارض بين إطلاق الحكمين لا بين أصلهما.
وفي ضوء ما تقدم أقول: إنه إذا أراد المولى أن يوجب فعلاً ــ كصلاة الظهر مثلاً ــ على كلِّ من يتمكن من القيام به فإن كان في أضداده الاتفاقية ــ كإنقاذ الغريق ــ ما هو بمستواه أو يفوق عليه في الملاك فإنه لا بد له وفق مسلك المقيد