بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨٠ - دعوى دلالة الآية على اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج والجواب عنها
علم الأصول أن المرجع في تشخيص مداليل الألفاظ ومفاهيم المفردات المأخوذة في لسان الخطاب هو العرف ما لم يقم دليل على خلاف ذلك، وحيث إن القدرة والاستطاعة في نظر العرف ليست هي مجرد التمكن من فعل الشيء وإن كان بمشقة وحرج شديدين فكلما أخذ عنوان القدرة أو الاستطاعة في لسان الخطاب بشيء يكون ظاهر ذلك اعتبار القدرة العرفية في توجه التكليف به، وبذلك يختلف عما لو تؤخذ القدرة في لسان دليله.
وبذلك يعلم: أن عمدة الفرق بين هذا القول والقول الأول تكمن في أن مقتضى ذلك القول هو عدم نفي وجوب الحج عن المكلف إذا كان قادراً على أدائه ولو بصعوبة بالغة لا تتحمل عادة إلا بالتمسك بقاعدة نفي الحرج, وأما مقتضى هذا القول فهو أن دليل وجوب الحج قاصر في حدِّ ذاته عن الشمول لمن يكون أداؤه حرجياً عليه بالحدِّ المذكور ولا محل للرجوع إلى قاعدة نفي الحرج في ذلك.
وكيفما كان فهذا القول الثاني هو المتعين لو لم يقم دليل على القول الثالث الآتي.
الثالث: ما يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني (قدس سره) في أصوله [١] واختاره بعض الأعلام (قدس سره) [٢] أيضاً من أن المستظهر من الآية المباركة هو اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج، أي أن وجوبه لا يصير فعلياً في حق من يتوجه إليه تكليف بفعل آخر مزاحم لأدائه، كالتكليف بأداء الدين أو الإنفاق على العيال وغير ذلك.
ومبنى هذا القول هو أنه لا يصدق عرفاً على الفعل الذي يكون مزاحماً لأداء واجب أنه مقدور عليه، ومن هنا لو قيل لطبيب: (زر المريض الفلاني صباح غدٍ إن قدرت على ذلك) فإنه يمكن أن يقول في الجواب: (لا أقدر، عندي وظيفة) إذا كان صباح الغد يوماً وظيفياً له يجب أن يذهب فيه إلى المستشفى
[١] فوائد الأصول ج:١ ص:٣١٥.
[٢] لاحظ المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٥٨ــ٥٩.