بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٥٦ - من علم أنه سينتابه الجنون لو لم يأخذ دواءً معيناً فهل يلزمه استعماله ليتمكن من أداء الحج؟
الحج بدونه كالوقوف في المزدلفة لم يجب الحج على المجنون لأنه غير مستطيع له, وكذلك إذا كان مما يصح الحج بدونه ولكن في صورة طرو العجز عن الإتيان به في الأثناء كالوقوف في عرفات, وأما مع كون العجز معلوماً مسبقاً فيمكن القول بعدم ثبوت الوجوب لعدم الدليل عليه بعد فرض عدم تحقق الاستطاعة للحج, فإنه اسم لمجموعة أفعال يعدّ الوقوف في عرفات من أهمها فإذا لم يكن قادراً على أدائه بطرو الجنون عليه في ذلك الزمان فهو غير مستطيع للحج فمقتضى القاعدة عدم وجوبه عليه.
هذا في الوقوفين، وأما المبيت في منى ــ الذي لا يقبل النيابة ولكن يصح الحج بتركه ولو عمداً ــ فيمكن القول بأنه لا يعتبر الاستطاعة عليه في وجوب الحج كما سيأتي وجهه في محله, وعلى ذلك فلا يضر بوجوب الحج عدم التمكن من أدائه من جهة الجنون وإن علم به مسبقاً.
وأما إذا كان الفعل مما يقبل النيابة اختياراً كالذبح والحلق والتقصير فيمكن القول بأن عدم التمكن من الإتيان بها مباشرة لعارض الجنون لا يمنع من وجوب الحج, لأنه لا يشترط في النيابة نية المنوب عنه في حال قيام النائب بالفعل بل اللازم نية النائب نفسه فيمكنه أن يستنيب في حال عقله من يأتي به عنه وإن صار مجنوناً في حينه.
وأما إذا كان الفعل مما لا يقبل النيابة إلا لعذر كالطواف والسعي ورمي الجمرة والإحرام فمقتضى القاعدة عدم وجوب الحج مع عدم التمكن منه مباشرة لطارئ الجنون, لأن العذر المسوّغ للنيابة المذكور في النصوص هو المرض والصدّ, وأما الجنون فلا دليل على كونه عذراً مسوّغاً للنيابة في هذه الموارد، فتدبر.
بقي هنا أمور ..
(الأمر الأول): من كان يعلم أنه سينتابه الجنون إذا لم يأخذ دواءً معيناً، كالمبتلى ــ والعياذ بالله ــ بمرض انفصام الشخصية، فهل يلزمه أخذ الدواء أم يجوز له تركه وإن كان يؤدي إلى فوات الحج عليه؟