بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤ - الاستدلال برواية هشام بن الحكم على اعتبار إذن الأب في حج الولد تطوعاً والمناقشة فيها سنداً
١ ــ أما السند فلا يوجد من يخدش فيه إلا أحمد بن هلال، وهو أبو جعفر العبرتائي الذي اختلفوا في قبول روايته واعتبارها، ولا بأس بذكر نبذة عن حياته فأقول:
أحمد بن هـلال العبـرتائي ويـلقب بالـكرخي والهلالـي أيضاً [١] ، كـان مـن
[١] أما تلقبه بالهلالي فيظهر من التوقيع الذي ورد على يد النائب الثالث للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) الشيخ الحسين بن روح (رضوان الله عليه) في عام (٣١٢ هـ) بشأن محمد بن علي الشلمغاني، فقد ورد فيه: ((إننا في التوقي والمحاذرة منه على ما كنّا عليه ممن تقدمه من نظرائه من الشريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم) (الغيبة للطوسي ص:٤١١) فإن الظاهر أن المراد بالهلالي فيه هو أحمد بن هلال العبرتائي، ويؤكده ما في (كمال الدين ص:٤٨٩) بإسناده عن محمد بن صالح أنه: لما ورد نعي ابن هلال (لعنه الله) جاءني الشيخ ــ يقصد محمد بن عثمان العمري ــ فقال لي: أخرج الكيس الذي عندك فأخرجته إليه، فأخرج إليَّ رقعة فيها: ((وأما ما ذكرت من أمر الصوفي المتصنع ــ يعني الهلالي ــ فبتر الله عمره)).
وأما تلقّبه بالكرخي فهو متداول في المصادر (يلاحظ الغيبة للطوسي ص:٢٤٥، وأمالي الطوسي ص:٤٥٨، وفلاح السائل ص:١٣، ١٥٢، ٢٢٧، ٢٣٣) ويبدو أن منشأ تلقّبه به هو أنه كان من سكنة منطقة الكرخ ببغداد كما ورد ذلك في أسانيد بعض الروايات (لاحظ أمالي الطوسي ص:٥٨٧).
هذا وزعم بعض الباحثين المحدثين (تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى ص:١١٠) أن أحمد بن هلال الكرخي مغاير لأحمد بن هلال العبرتائي، مستشهداً على ذلك بأن الشيخ (قدس سره) قد ذكر الكرخي في قسم الوكلاء المذمومين للإمام الحجة ٧ في حين أنه ذكر العبرتائي في قسم الوكلاء المذمومين للأئمة حتى زمان الإمام العسكري ٧ (لاحظ الغيبة ص:٢٤٥، ص:٢١٤).
وقال أيضاً: إن التوقيع الذي ذكره الكشي (اختيار معرفة الرجال ج:٢ ص:٨١٦) في ذم العبرتائي ــ وقد أورد الشيخ مقطعاً منه وقال: إنه ورد على يد النائب الأول عثمان بن سعيد العمري (الغيبة ص:٢١٤) ــ إنما كان من جهة اختلاسه الأموال التابعة للإمام ٧ ، في حين أن التوقيع الذي ورد على يد الحسين بن روح في لعن الكرخي ــ كما ذكره الشيخ (الغيبة ص:٢٤٥ ــ ٢٥٤) ــ كان بسبب اختلافه مع السفير الثاني لا بسبب اختلاسه.
أقول: مقتضى القرائن والشواهد أن الكرخي هو العبرتائي لا غير ..
منها: أن ابن همام قد نصَّ على كون الكرخي من أصحاب الإمام العسكري ٧ (الغيبة للطوسي ص:٢٤٥) ويظهر منه أنه كان رجلاً معروفاً له شأن عند الشيعة وقد تبرؤوا منه ولعنوه عندما توقف في وكالة أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، ومن المعلوم أن العبرتائي كان من أصحاب الإمام العسكري ٧ وكان له شأن كبير عند الشيعة وقد تبرؤوا منه بعد خروج التوقيعات في ذمّه على يد النائب العمري، ويستبعد جداً أنه كان هناك رجلان في طبقة واحدة يسميّان بأحمد بن هلال وهما معروفان مشهوران وقد انحرفا عن الطريق المستقيم ولا يتمثّل ذلك إلا من خلال ذكرهما مستقلين في كتاب الغيبة للطوسي ولا يوجد شاهد آخر على التعدد والمغايرة في سائر المصادر الرجالية كرجال الكشي وكتاب النجاشي ورجال الشيخ ولا في المصادر المهتمة بأخبار الغيبة ككمال الدين للصدوق والغيبة للنعماني.
ومنها: أن العبرتائي كان من سكنة الكرخ كما تقدم نقله عن بعض الأسانيد ومن المتداول نسبة الشخص إلى منطقة سكناه، وهذا ما يقرّب احتمال أن يكون العبرتائي هو الكرخي لا غير.
ومنها: أن الحسين بن أحمد المالكي الذي روى عن الكرخي في مواضع متعددة كما في (أمالي الطوسي ص:٤٥٨، وفلاح السائل ص:١٣، ١٥٢، وغيرهما) قد روى بنفسه عن العبرتائي كما في (تهذيب الأحكام ج:١ ص:١١٧) وقد روى عن أحمد بن هلال من غير تقييد في مواضع أخرى أيضاً (لاحظ رجال النجاشي ص:٣٧١، ٤١٩، وفهرست الشيخ ص:٩١) فلو كان الكرخي غير العبرتائي وقد روى عن كليهما لكان من المناسب جداً أن لا يروي عن أحمد بن هلال إلا مقيداً حذراً من الاشتباه.
ومنها: ــ وهو الأهم ــ أن السيد ابن طاووس (قدس سره) قد أورد في (فلاح السائل ص:١٣) رواية عن أحمد بن هلال الكرخي بشأن محمد بن سنان وفي ذيلها هكذا: (قال أبو علي بن همام: ولد أحمد بن هلال سنة ثمانين ومائة ومات سنة سبعة وستين ومائتين). وهذا كالنص على أن المقصود بالكرخي هو العبرتائي فإن الذي حدّد ابن همام تاريخ ولادته ووفاته بما ذكر هو العبرتائي كما ورد في رجال النجاشي وفهرست الشيخ.
وبالجملة: لا ينبغي الشك في كون الكرخي هو العبرتائي، وأما ذكر الشيخ (قدس سره) له مرتين فهو كذكره لأبي طاهر محمد بن علي بن بلال مرتين، تارة في قسم الوكلاء المذمومين للأئمة : حتى زمان الإمام العسكري ٧ (ص:٢١٤)، وأخرى في قسم الوكلاء المذمومين للحجة ٧ (ص:٢٤٥).
وأما ما ذُكر من أن التوقيع الوارد في ذم العبرتائي كان من جهة اختلاسه الأموال في حين أن التوقيع الذي ورد بشأن الكرخي كان من جهة اختلافه مع النائب الثاني، فهو مما لا أساس له ولم أجد ما يشير إلى اختلاس العبرتائي في شيء من التوقيعات.