بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦٢ - حكم من كان عاقلاً فلم يحج مع استطاعته ثم أصابه الجنون
مميزاً فلأن مقتضى إطلاق دليل رفع القلم عن المجنون هو عدم شموله للأحكام التكليفية ولا دليل على الخروج عن مقتضاه في هذا المورد.
فالمتعيّن أن يكون مقصوده (قدس سره) هو اشتغال ذمة المجنون المذكور بالحج وضعاً بحيث إنه لو أفاق وجب عليه أداؤه ولو مات أخرج من تركته, وهذا ينسجم مع أحد مسلكين ..
الأول: ما اختاره السيد الحكيم (قدس سره) وآخرون من أن الحج من قبيل الدين تشتغل به الذمة وضعاً, فإن مقتضاه أن من استطاع للحج ولم يؤده حتى أصابه الجنون أن تبقى ذمته مشغولة به فإن الجنون إنما يوجب سقوط الحكم التكليفي دون الوضعي.
الثاني: ما ذهب إليه جمع من أن الحج وإن كان واجباً تكليفياً عند حصول الاستطاعة إلا أنه إذا قصّر المكلف ولم يؤده من غير عذر يتحول إلى دين في ذمته أي تشتغل به على سبيل الحكم الوضعي, والمفروض في المقام أن المجنون المذكور قد استطاع للحج ولكنه تكاسل في أدائه حتى أبتلي بالجنون، فمقتضى ذلك اشتغال ذمته بالحج في حال جنونه وضعاً لا تكليفاً.
ولكن كلا المسلكين غير تام, أما الأول فلما مرّ في محله [١] من أنه لا دليل عليه سوى ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) [٢] من أن ظاهر (اللام) في قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)) هو الملك ومقتضاه أن يكون الحج مملوكاً لله على الناس فيكون ديناً مالياً عليهم, مؤيداً ذلك بالتعبير عن الحج بالدين في بعض الروايات كخبر الحارث بيّاع الأنماط [٣] . ولكن كون (اللام) للملكية الاعتبارية غير ثابت إلا من جهة الانصراف فيما إذا كان الشيء مما يملك وكان مدخول (اللام) من قبيل الإنسان وذلك لغلبة الاستعمال في مثله وهي غير متحققة بالنسبة إلى الله تعالى.
[١] لاحظ ج:١ ص:٢٦٥ــ٢٦٦.
[٢] مستمسك العروة الوثقى ج:١٠ ص:٢٤٢، ٢٧٠، ٣٢٣.
[٣] تهذيب الأحكام ج:٩ ص:٢٢٩.