بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٣٩ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
تتحقق شروط تنجزه لا يكون طلباً إلا بالحمل الأولي، وإنما يصير طلباً بالحمل الشائع بحيث يصلح لأن يؤثر في نفس المكلف عند بلوغه مرحلة التنجز, والمفروض وفق الوجه المذكور أن الأمر بالمهم ــ مثلاً ــ لا يصير منجزاً مع صرف القدرة في امتثال الأمر بالأهم، فأين هو من طلب الجمع بين الضدين حقيقة؟!
وبالجملة: هناك وجهان يفي كل منهما بدفع المحذور المتقدم، فلا بد من الرجوع إلى مرتكزات العقلاء ليُرى أن أياً منهما هو المطابق لها فيبنى عليه, ويمكن أن يقال: إن الثاني كذلك لشواهد ..
الشاهد الأول: أن مقتضى الوجه الأول أي كون كل تكليف مقيداً في مرحلة الإنشاء بعدم صرف المكلف قدرته في ما لا يقل أهمية عن متعلقه هو أنه إذا كان هناك عدة غرقى مثلاً، وهم متساوون في الأهمية، ولا يتمكن المكلف إلا من إنقاذ واحد منهم، فإن بادر وقام بإنقاذ أحدهم يُحكم بأنه لم يكن مكلفاً بإنقاذ البقية من الأول, وأما إذا لم يُنقذ أياً منهم فماتوا جميعاً فإنه يُحكم بأنه كان مكلفاً بإنقاذ الجميع, لفرض تحقق القيد المعتبر في وجوب إنقاذ كل واحد منهم وهو (عدم صرف القدرة في ما لا يقل عن متعلقه في الأهمية).
ومقتضى الوجه الثاني في المثال نفسه ثبوت التكليف بإنقاذ البقية في الفرض الأول أيضاً، أقصى الأمر أنه لما كانت قدرته محدودة ولا يملك إلا قوة عضلية تفي بإنقاذ شخص واحد فقط فإنه يكون معذوراً في ترك إنقاذ الباقين لا أن التكليف بإنقاذهم لم يتوجه إليه أصلاً.
والظاهر أن الرؤية العقلائية تطابق ما يقتضيه الوجه الثاني دون الأول, أي أن العقلاء لا يرون أن إقدام المكلف على الإتيان بأحد الواجبات المتزاحمة مؤثراً في سقوط أصل توجه التكليف بالبقية, بل يرون أنه يكون مؤثراً في عدم استحقاق العقوبة على ترك الإتيان بواحد منها.
أي أنهم لا يفرقون في أصل توجه التكاليف المتزاحمة بين إقدام المكلف على امتثال بعضها وعدمه, ففي الحالتين يرون ثبوت تلك التكاليف وفعليتها لتحقق موضوع كل واحد منها على حدة، وهو البالغ العاقل القادر ــ بمعنى إن