بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥١٧ - بيان حكم المسالة بناءً على فورية وجوب الحج فورية عقلية
في أصوله [١] مقالة الشيخ الأعظم بالنظر إلى أن مفاد الأدلة هو نفي الحكم الذي ينشأ منه الحرج أو الضرر، ووجوب الاحتياط ــ وهو الجمع بين المحتملات ــ وإن كان عقلياً إلا أنه ناشئ من بقاء الحكم الشرعي الواقعي على حاله, فهو المنشأ للحرج والضرر, إذ الشيء يسند إلى أسبق العلل فيكون المرتفع بأدلة نفي الحرج والضرر هو الحكم الشرعي الواقعي فيرتفع وجوب الاحتياط بارتفاع موضوعه.
ولكنه (قدس سره) اختار في فقهه [٢] أن حديث لا ضرر إنما يتكفل بنفي الضرر الناشئ من قبل الحكم نفسه، فكل حكم كان تشريعه في موردٍ ضرراً على المكلف فهو منفي في الشريعة المقدسة، وأما إذا لم يكن الحكم بنفسه ضررياً وإنما نشأ الضرر من إحراز امتثاله فمثله غير مشمول للحديث بوجه.
ومن المفارقات أنه (قدس سره) نسب اختيار هذا الوجه إلى نفسه الزكية في الأصول قائلاً: (قد ذكرنا في الأصول أن حديث لا ضرر ..) مع أن المذكور في أصوله هو الوجه الأول كما مرَّ آنفاً.
وكيفما كان فالصحيح هو ما ذكر أولاً من حكومة حديث لا ضرر على أصالة الاحتياط، لأنه لما كان مفاد هذا الحديث هو نفي تسبب الشارع في تحمل الضرر بجعل الحكم الذي يكون مؤدياً إليه يكون مقتضى ذلك عدم جعل الحكم الذي يقتضي تحمل الضرر في إحراز امتثاله.
ودعوى أن الضرر إنما ينشأ من حكم العقل بوجوب الاحتياط لإحراز الامتثال, وهو مما لا يمكن رفعه بحديث لا ضرر, وأما الحكم الشرعي فهو غير ضرري في حدّ ذاته مخدوشة، لأن حكم العقل إنما هو من تبعات الحكم الشرعي، إذ ليس للعقل حكم بالاحتياط لولا ثبوت الحكم الشرعي في المورد, أي أنه إنما يحكم بلزوم الخروج القطعي عن عهدة التكليف الثابت شرعاً, فإذا لم يرفع الشارع حكمه في مورد يكون إحراز امتثاله ضررياً يكون هو المتسبب في تحمل المكلف للضرر المترتب على ذلك وهو ما يتكفل حديث الضرر بنفيه.
[١] مصباح الأصول ج:٢ ص:٢٣٠.
[٢] مستند العروة الوثقى (كتاب الخمس) ص:١٥٢.