بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٤٦ - ما يمكن الاستدلال به على عدم وجوب الحج على المجنون
هذا الاستدلال، ومرّ [١] الخدش فيه بما حاصله: أن هذا البيان يبتني على دلالة الأمر على رجحان العمل ومطلوبيته من جهة وعلى الإلزام به من جهة أخرى، مع كون حديث الرفع رافعاً للثاني دون الأول. أو يبتني على أن دليل الوجوب يدل بالدلالة المطابقية على أصل الوجوب، وبالدلالة الالتزامية على ثبوت الملاك في المتعلق، وحديث رفع القلم إنما يحدد المدلول المطابقي، وليس مقتضاه سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية.
وكلا الأمرين مما لا يمكن القبول به، فإن الأمر لا يدل على شيئين ــ أصل مطلوبية الفعل والإلزام به ــ على جميع المسالك التي سلكها المحققون من المتأخرين في حقيقة الوجوب، وتوضيح ذلك موكول إلى علم الأصول.
كما أن وجود الملاك في متعلق التكليف الوجوبي ليس من قبيل المداليل الالتزامية، لأن المدلول الالتزامي هو اللازم البيّن بالمعنى الأخص، ويقال: إنه ينعقد للكلام ظهور فيه، في حين أن الملاك من اللوازم العقلية غير البيّنة للحكم الذي يدل عليه الكلام. ولذلك لو بني على عدم تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية من جهة انعقاد ظهور للكلام في المدلول الالتزامي غير ظهوره في المدلول المطابقي ــ مع أنه محل خدش في علم الأصول ــ لم يجرِ مثله في اللوازم العقلية، إذ ليس فيها إلا ظهور واحد، فإذا سقط عن الحجية فلا يبقى دليل على بقاء اللازم.
والنتيجة: أنه لا مثبت لوجود الملاك هنا مع انتفاء الوجوب بمقتضى حديث رفع القلم.
بل قد يقال ــ كما عن السيد الأستاذ (قدس سره) [٢] ــ: إنه لا كاشف عن الملاك إلا الحكم الشرعي، فإن ثبت الحكم كان كاشفاً عن وجود الملاك في متعلقه، وإن انتفى الحكم ــ لأي سبب فرض وبأي دليل كان ــ فلا يبقى دليل على وجود الملاك مطلقاً.
[١] لاحظ ج:١ ص:٣٩١ــ٣٩٤.
[٢] محاضرات في أصول الفقه ج:٢ ص:٣٦٥.