بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨٤ - لماذا لم يذكر السيد الأستاذ (قدس سره) صحة البدن مما يعتبر من الاستطاعة؟
بصدور الحج النيابي ممن استنيب.
ومعنى ذلك أن التقيّد بصدوره منه يكون تحت دائرة الوجوب المتوجه إلى المستنيب، وعندئذٍ فكيف يعقل أن يكون القيد ــ الذي يتوقف وجود التقيّد على وجوده ــ خارجاً عن تحت قدرة المستنيب واختياره؟
وبالجملة: إذا كان فعل الشخص الصادر منه بإرادته واختياره غير مقدور للغير فكما لا يصح جعله متعلقاً للتكليف المتوجه إلى الغير كذلك لا يصح جعله قيداً لمتعلق ذلك التكليف, لأن معنى كونه قيداً هو كون التقيّد به جزءاً من المأمور به وتوقف وجوده على وجوده فيعود الإشكال نفسه.
كان الجواب عنه: أن هناك فرقاً بين متعلق التكليف وبين ما هو قيد للمتعلق, فإن القيد إن كان مما يطلب من المكلف إيجاده في الخارج ــ كما في الأمر بالصلاة مع الطهارة ــ فلا بد أن يكون مقدوراً للمكلف ومما يتمكن من الإتيان به بإرادته واختياره.
وأما إذا كان القيد فوق دائرة الطلب فلا يضر كونه غير مقدور للمكلف وخارجاً عن تحت إرادته واختياره, بل يكفي تحققه خارجاً بإرادة الغير ولو في بعض الأحيان كما في قوله تعالى [١] : ((أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)) ، فإن الدلوك قيد للصلاة لأن متعلق الوجوب ليس طبيعي الصلاة بل الصلاة المأتي بها بعد الدلوك, ومن المعلوم أن الدلوك ظاهرة كونية خارجة عن قدرة المكلف واختياره وإنما تتم بإرادة الله سبحانه وتعالى, ومع ذلك جاز أن يكون متعلق التكليف متقيّداً بالدلوك, فإنه إن تحقق تمكن المكلف من الإتيان بالصلاة المقيدة به فيلزمه ذلك, وإن لم يتحقق ولو لتوقف الأرض عن الحركة لم يكن متمكناً من الصلاة المقيدة به فيسقط التكليف بها عنه.
وهكذا الحال في المقام، فإن صدور الحج النيابي ممن استنيب في أدائه وإن كان غير مقدور للمستنيب إلا أنه لا مانع من كونه قيداً للاستنابة الواجبة عليه, فإذا استناب شخصاً في الحج عنه فإن أتى بالحج يكون المستنيب ممتثلاً لما وجب
[١] الإسراء:٧٨.