بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٥ - الاستدلال بحديث رفع القلم لعدم ثبوت الكفارات على الصبي
ولكن هذا الكلام ضعيف جداً، فإن ما يوجد حقيقة عند إنشاء الحكم التكليفي إنما هو نفس التكليف مرتباً على موضوعه، وأما الموضوعية المعبّر عنها ــ بالعناية ــ بالسببية فهي موجودة بالعرض لا بالتبع، بمعنى أن إسناد الوجود إليها مجازي بملاحظة وجود نفس التكليف مترتباً على موضوعه، فإذا قال الشارع المقدس: (المحرم إذا لبس ما لا ينبغي له لبسه فعليه دم شاة) فالموجود بالوجود الإنشائي الاعتباري إنما هو وجوب ذبح الشاة، وموضوع هذا الحكم هو لبس المحرم ما لا ينبغي له لبسه، وأما التعبير بأن لبس ما لا ينبغي لبسه سبب لثبوت الكفارة فهو تعبير أدبي واستعارة للمصطلح الفلسفي.
أي أن المراد بالسبب متى ما أطلق في الأحكام القانونية ليس سوى ما يعدُّ موضوعاً للحكم القانوني كزوال الشمس بالنسبة إلى وجوب صلاة الظهرين, كما أن المراد بالشرط والمانع فيها ليس سوى ما يكون قيداً وجودياً أو عدمياً للحكم في لسان المقنن, ولا يراد بالسبب والشرط والمانع في باب الأحكام ما يصطلح عليه الفلاسفة.
وبالجملة: السببية ليست من المجعولات الشرعية لا استقلالاً ولا بالتبع، فإن الشارع المقدس لا يجعل ارتكاب المكلف للفعل الكذائي سبباً لوجوب الكفارة، أي لايوجد مجعولان اعتباريان: وجوب الكفارة عند ارتكاب فعل معين، وسببية ارتكابه لوجوب الكفارة، بل إنما هو اعتبار واحد فقط وهو وجوب الكفارة عند ارتكاب ذلك الفعل الذي هو الموضوع للوجوب ويعبر عنه بالسبب وعن موضوعيته له بالسببية، فالسببية تعبير أدبي صرف وليست اعتباراً قانونياً متأصلاً، وتختلف عن الجنابة لأنها ــ مثل النجاسة ــ كانت من المفاهيم الاعتبارية المتأصلة ولذلك تستقل في الجعل وتعدُّ من الأحكام الوضعية، وتترتب عليها جملة من الأحكام التكليفية.
فالجنابة حالها حال سائر الأحكام الوضعية من حيث إن لها موضوعاً تترتب عليه شرعاً وهو المقاربة والاحتلام, ووجوب الغسل مقدمة لأداء الصلاة ــ مثلاً ــ إنما هو من الأحكام التكليفية المترتبة على الجنابة كما في نظائرها, ولكنه